المصدر: نداء الوطن
الكاتب: مازن مجوز
السبت 7 شباط 2026 08:12:45
شهد النظام الصحي في لبنان تدهورًا متسارعًا في مؤشرات حيوية تمس حياة المواطنين اليومية، ما يعكس هشاشة القطاع تحت وطأة الأزمات الأمنية والمالية والاقتصادية والسياسية المتراكمة. وأصبح الوصول إلى الرعاية الصحية الشاملة مكلفًا وغير شامل لأغلبية السكان، بينما ترتفع تكاليف العلاج بشكل يفوق قدرة الأسرة اللبنانية.
في 27 أيلول 2024، أفادت متحدثة منظمة الصحة العالمية مارغريت هاريس بأن النظام الصحي في لبنان يواجه صعوبات كبيرة ويزيد عدد الجرحى فيه باستمرار جراء تعرض البلاد لهجمات إسرائيلية.
ومع تفاقم الأزمة، تتراجع قدرة المستشفيات على العمل بكامل طاقتها، ويُغلق بعضها جزئيًا أو كليًا بسبب نقص الكوادر والإمكانات. وفي الوقت نفسه تشهد البلاد نزيفًا في البشر: أطباء وممرضون يغادرون بحثًا عن بيئات معيشية ومهنية مستقرة.
هذا النزيف لا يقتصر على الأطباء فحسب، بل يشمل مختلف عناصر القطاع الصحي، ما يؤدي إلى تفاقم العجز في خدمات حيوية. ومع هذا الواقع، تبقى التساؤلات عن الاستدامة والمستقبل مفتوحة، خصوصًا إذا لم تتضافر الجهود لمعالجة أوجه القصور الهيكلية. فإلى متى سيبقى لبنان بلدًا يُصدّر كفاءاته الطبية ويستورد أزماته الصحية؟
في تحليل شامل قدمته دراسة علمية منشورة في كانون الثاني 2025 بعنوان "Physician demography in Lebanon 2024" لتركيبة الأطباء في لبنان، يتبين وجود اختلال واضح في توزيع الأطباء بحسب التخصصات والمناطق، مع نقص في مجموعة واسعة من التخصصات الطبية وعدم قدرة الخريجين السنويين من برامج الإقامة على سدّ الفجوة. كما أشارت الدراسة إلى أن العجز المتواصل في الكوادر ينعكس سلبًا على جودة الخدمات وصعوبة الوصول إليها، واقترحت تنفيذ استراتيجيات وطنية للحفاظ على الأطباء وتحفيزهم للعمل في المناطق المحرومة، إلى جانب تعزيز التعاون بين المؤسسات الصحية وتحديث التدريب المهني وربط الخدمات الصحية بالاحتياجات المجتمعية .
في هذا السياق، يعلق الرئيس السابق للجنة الطبية في نقابة الأطباء د. برنارد جرباقة بالقول: "ارتفعت نسبة صعوبة الوصول للخدمات الصحية للنساء الحوامل والأسر اللبنانية من 25 % في 2020 إلى 36 % في 2025 ، بسبب ارتفاع التكاليف، والتضخم الاقتصادي، وصعوبة الحصول على الأدوية، واللقاحات والحليب . وأيضا هناك 80 % من السكان يعانون من غياب تغطية صحية شاملة، مع ضعف في الوصول للرعاية الأساسية وذات جودة مع ارتفاع العبء على المرضى غير المؤمّنين الذين يتكبدون نفقات العلاج مباشرة. وأيضًا ثمة تراجع بأيام الاستشفاء، ومتوسط الإقامة بالمستشفيات، نتيجة ضعف الخدمات وزيادة التكاليف".
ويتابع جرباقة بأن موازنة وزارة الصحة انخفضت من 486 مليونًا في 2018 إلى 37 مليونًا في 2022 ، أي ما يقارب 90 % من الانخفاض بالتمويل الحكومي للصحة، مقابل زيادة اعتماد المرضى على الإنفاق الذاتي، والدعم الخارجي، لافتًا إلى توقف عمل جزئي لـ 15 مستشفى في لبنان من أصل 165 ما يعني تدني 10 % من خدماتها نتيجة الأزمات، وتأثير النزاعات على البنية التحتية، مع فقدان تقريبًا 40 % من الساعة السريرية في محافظات معينة. بالإضافة إلى ذلك تبرز ظاهرة هجرة الأطباء والممرضين حيث هاجر آلاف الأطباء بين 2019 و2021 نتيجة الأزمات المالية والاقتصادية وانفجار المرفأ.
ويقدر جرباقة عدد الأطباء الذي تركوا لبنان منذ ثورة 17 تشرين بحوالى الـ 1000 طبيب وبين 20 % إلى 40 % من الطواقم الطبية غادروا البلاد، وعلى الرغم من عودة عدد منهم لكن الغالبية لا تزال في الخارج حيث تعيش في ظروف حياتية أفضل هناك.
وبالعودة إلى الدراسة المذكورة، فهي تؤكد أن الزيادة السنوية في أعداد الأطباء المسجلين لا تواكب الخروج الجماعي للعديد منهم إلى الخارج، ما يؤثر على قدرة المستشفيات على تقديم خدمات جوهرية، خصوصًا في التخصصات الحساسة مثل طب الطوارئ والنساء والولادة.
كما بيّنت أن النظام الصحي يعاني من اختلال في التوازن بين العرض والطلب على الخدمات الطبية، مع تركّز أعداد الأطباء في مناطق حضرية على حساب المناطق النائية والجنوبية.
واستعرضت الدراسة أيضًا عوامل تدفع الأطباء للهجرة، منها تدهور الرواتب بالليرة اللبنانية، تراجع الحماية الاجتماعية، وضعف فرص التطوير المهني محليًا.
ويثني جرباقة على جهود وزارة الصحة وتحديدًا على نجاحها في الاستثمار في شبكة الرعاية الصحية الأولية، وهذا لا يوفر فقط الوقاية والحماية، إنما أيضا العلاجات، ويخفف من الدخول إلى المستشفى، لكنها تعاني من نقاط ضعف أبرزها ضعف الاستدامة المالية للنظام، مع تراجع كبير في الإنفاق الحكومي على القطاع الصحي وزيادة التكاليف على المواطنين، ما يحيلنا إلى التذكير بأن لجنة المال والموازنة أقرّت موازنة وزارة الصحة العامة في 5 كانون الثاني 2026 مع بعض التعديلات "نقل 8000 مليار من الاحتياطي إلى بند الاستشفاء و1000 مليار لمراكز الرعاية الأولية مشروطة بتعزيز الرقابة"، حيث شرح وزير الصحة الذي حظي بإجماع نيابي على دوره وأدائه، أن هذا البند لا يغطي، مع الإضافة المطلوبة، ثلث الحاجة المطلوبة، ولكنه أفضل مما هو عليه الوضع اليوم .
وعلى الرغم من هذا الكم من التحديات، يؤكد جرباقة: "لدي إيمان كبير بأن الأطباء سيعودون إلى البلد بإذن الله، وهذان الهجرة والنزيف الطبي في الكوادر ليس الأول من نوعه، والعودة مؤكدة، وهذا ما شهدناه بعد الكثير من الأزمات الكبيرة، كي يشاركوا في بناء وطنهم الذي طالما تميز بالكثير من الميزات والفرص"، مذكرًا بقدرات لبنان الطبية العالية، وبمراكزه المتقدمة بالتخصصات الدقيقة، ونظام الرعاية الصحية فيه الذي لا يزال يعد من الأبرز في المنطقة. بالإضافة إلى قطاع خاص قوي يمكن أن يؤمن الخدمات الطبية له وتأمين الخدمات الطبية والصحية عند تقصير القطاع العام عند الضغط عليه، ونلاحظ أن لديه زيادة في التغطية الصحية عبر شبكات الرعاية الأولية في بعض المناطق نتيجة ارتفاع الطلب.
وفي الختام، ربما من الضروري التوقف عند ما أوصت به الدراسة الآنفة الذكر وخصوصًا: إجراء إصلاحات شاملة للسياسات الصحية، تشمل دعم التدريب المهني المستمر، تحسين بيئة العمل داخل المستشفيات الحكومية، وحوافز للبقاء خصوصًا في التخصصات الحيوية، مشددة على أنه من دون تدخلات هيكلية واستراتيجية وطنية طموحة، سيستمر لبنان في فقدان حصته من الأطباء، ما يفاقم تحديات الوصول إلى الرعاية الصحية المستدامة .