المصدر: نداء الوطن
الكاتب: إميل عون
الأحد 6 أيلول 2026 07:44:00
لم تعد مسألة مستقبل قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (UNIFIL) مسألة مرتبطة بمجرد تجديد دوري لولاية قوة حفظ سلام دولية تعمل في جنوب لبنان منذ عام 1978، فلقد دخلت المسألة منذ صدور قرار مجلس الأمن رقم 2790 تاريخ 28 آب 2025، مرحلة قانونية جديدة بعدما قرر المجلس أن يكون تمديد ولاية اليونيفيل حتى 31 كانون الأول 2026 تمديداً نهائياً، وأن تبدأ في ذلك التاريخ عملية "تقليص وانسحاب منظم وآمن" تستمر خلال سنة (1). غير أن القرار ذاته يكشف عن مفارقة قانونية وسياسية بالغة الأهمية، فمن جهة يقرر إنهاء العمليات الميدانية لليونيفيل في 31 كانون الأول 2026، ومن جهة ثانية يعيد التأكيد بصورة صريحة على ضرورة التنفيذ الكامل للقرار 1701 (2006) وعلى إستمرار مسؤولية مجلس الأمن عن السلام والإستقرار على الخط الأزرق، ويطلب من الأمين العام أن يقدم خيارات لمستقبل تنفيذ القرار 1701 بعد إنسحاب اليونيفيل (2). وهكذا لم يعد السؤال الحقيقي بتجديد أو عدم تجديد الأمم المتحدة ولاية اليونيفيل، بل أصبح مرتبطًا بكيفية إنهاء مهمة اليونيفيل من دون إنهاء النظام القانوني الذي أنشأه القرار 1701، وطبيعة الآلية التي ستخلفها لضمان تنفيذ هذا القرار. ويكتسب هذا السؤال أهمية إضافية في ضوء التطورات التي شهدها جنوب لبنان خلال عام 2026، وفي ضوء إستمرار الخروقات والأعمال العدائية، وإستمرار وجود القوات الإسرائيلية في مواقع داخل الأراضي اللبنانية بحسب ما سجله مجلس الأمن في القرار 2790، فضلاً عن إستمرار الحاجة إلى تعزيز إنتشار الجيش اللبناني وعدم تسليم حزب الله لسلاحه للشرعية اللبنانية حتى تاريخه (3). والأهم أن الأمين العام للأمم المتحدة، تنفيذاً للفقرة 10 من القرار 2790، قدم في 1 حزيران 2026 خيارات محددة للمرحلة التالية لانسحاب اليونيفيل، تراوحت بين وجود دولي محدود يقارب 1,980 عنصراً، ومتوسط يقارب 3,370، ووجود أكبر يقارب 5,525 عنصراً، مع اختلاف جوهري في طبيعة المهام وقدرات المراقبة والتحقق والانتشار(4). وليكن واضحًا منذ البداية أن إنهاء ولاية اليونيفيل لا يعني من الناحية القانونية إنهاء القرار 1701 ولا إسقاط الالتزامات التي يرتبها، وإنما يعني انتهاء آلية مؤسسية محددة لتنفيذ جزء من هذه الالتزامات، بما يوجب تحديد آلية بديلة قادرة على ضمان تنفيذها. من هنا، يعالج الكاتب بإختصار موضوع اليونيفيل وما بعد مرحلة اليونيفيل في أربع نقاط، اليونيفيل وقرارات مجلس الامن ذات الصلة، مرحلة ما بعد اليونيفيل والخيارات المتاحة، طبيعة الوجود الدولي المستقبلي بعد اليونيفيل واليونيفيل بين اتفاق الاطار وموقف حزب الله.
أولًا، اليونيفيل وقرارات مجلس الامن ذات الصلة
بكل الاحوال وبالعودة الى التاريح القريب، أنشأ مجلس الأمن قوة الأمم المتحدة المؤقتة "اليونيفيل" في لبنان بموجب القرارين 425 و426 تاريخ 19 آذار 1978، في أعقاب الاجتياح الإسرائيلي للبنان. وقد حدد القرار 425 ثلاث وظائف أساسية للقوة، وهي تأكيد انسحاب القوات الإسرائيلية من الأراضي اللبنانية وإعادة السلام والأمن الدوليين، كما مساعدة الحكومة اللبنانية على استعادة سلطتها الفعلية في المنطقة. ومن هنا، فإن اليونيفيل لم تُنشأ أصلاً كقوة بديلة عن الدولة اللبنانية، بل كأداة مؤقتة لمساعدة لبنان الرسمي على استعادة سيادته وممارسة سلطته(5). وهذه النقطة ذات أهمية كبيرة، اذ لا ينبغي فهم مسألة إنهاء مهمة اليونيفيل على أنه تراجع عن مبدأ السيادة اللبنانية الذي كان أحد الأهداف الأصلية لإنشائها. أما في القرار 1559 (2004)، فلقد دعا مجلس الأمن إلى احترام سيادة لبنان واستقلاله السياسي وسلامة أراضيه وانسحاب جميع القوات الأجنبية من لبنان وحل جميع الميليشيات اللبنانية وغير اللبنانية ونزع سلاحها وبسط سلطة الحكومة اللبنانية على كامل الأراضي اللبنانية (6)، وهذا القرار أساسي لأنه نقل المسألة من مجرد نزاع حدودي لبناني-إسرائيلي إلى مسألة سيادة الدولة اللبنانية واحتكارها المشروع للقوة المسلحة. وجاء القرار 1701 الشهير في 11 آب 2006 بعد الحرب الإسرائيلية-اللبنانية، وهو يمثل نقطة التحول الأساسية في طبيعة اليونيفيل لأنه لم يكتف بتمديد وجودها، بل قرر زيادة عددها إلى حد أقصى يبلغ 15 ألف عنصر، وتوسيع مهمتها ونطاق عملياتها (7)، والأهم أن القرار ربط بين عدة عناصر متكاملة كوقف الأعمال العدائية، انتشار الجيش اللبناني في الجنوب، انتشار اليونيفيل، انسحاب القوات الإسرائيلية بالتوازي، عدم وجود أسلحة أو سلطة غير سلطة الدولة اللبنانية في منطقة محددة، وبذلك أنشأ ما يمكن تسميته النظام الأمني للقرار 1701، ولا يقوم هذا النظام على اليونيفيل وحدها، وبالتالي لا تختصر اليونيفيل القرار 1701، فالقرار 1701 أنشأ إطاراً قانونياً وسياسياً أوسع بكثير من مهمة اليونيفيل، وهذه هي النقطة المحورية في القراءة هنا لأنه يتضمن التزامات ومطالبات موجهة إلى إسرائيل ولبنان وحزب الله والمجتمع الدولي وحتى مجلس الأمن نفسه. وبالتالي، فلا يمكن انتهاء مهمة اليونيفيل أن يؤدي تلقائياً إلى إلغاء القرار 1701، بل إن القرار 2790 نفسه يؤكد ذلك بوضوح، إذ قرر إنهاء مهمة اليونيفيل، لكنه في الوقت ذاته أعاد التأكيد على التنفيذ الكامل للقرار 1701(8)، وهنا تظهر قاعدة قانونية جوهرية بما معناه أن انتهاء الأداة المؤسسية لا يعني انتهاء القاعدة القانونية التي تستند إليها تلك الأداة، وبعبارة أخرى، اليونيفيل وسيلة لتنفيذ بعض عناصر القرار 1701 وليست القرار نفسه. أما السؤال البديهي الذي يسأل: هل يلغي القرار 2790 القرار 1701؟ الجواب هو سلبي وهنا يجب التمييز بين عدة مفاهيم كالإلغاء وهو وضع حد للقوة القانونية للقرار السابق، والتعديل وهو تغيير بعض أحكام القرار السابق، وإعادة تنظيم آلية التنفيذ وهو ما يبدو برأي الكاتب ما فعله القرار 2790 بالنسبة إلى اليونيفيل، فالقرار 2790 لم يقل "ينتهي القرار 1701" أو ما شابه، بل فعل العكس تماماً، إذ أعاد التأكيد على ضرورة تنفيذه بالكامل، ويالتالي لا يمكن تفسير القرار 2790 بإعتباره قراراً بإلغاء النظام القانوني للقرار 1701، بل هو أقرب إلى قرار بإعادة تنظيم الآلية الدولية لتنفيذ القرار 1701. والجدير بالملاحظة أن القرار 2790 يتضمن مفارقة لافتة، فهو ينهي عمليات اليونيفيل في 31 كانون الأول 2026 ويقرر انسحابها خلال سنة، ويطلب من الحكومة اللبنانية أن تصبح الجهة الوحيدة المسؤولة عن الأمن في الجنوب، لكنه في الوقت ذاته يطلب من الأمين العام إعداد خيارات لضمان استمرار تنفيذ القرار 1701 بعد الانسحاب (9). وهذا يعني أن مجلس الأمن نفسه أدرك أن الانسحاب من اليونيفيل لا يساوي الانسحاب من مسؤولية الأمم المتحدة تجاه تنفيذ القرار 1701. وقد أكدت المناقشات داخل مجلس الأمن خلال عام 2026 على هذا التوجه، إذ شددت دول عدة على ضرورة وجود دور أممي في مرحلة ما بعد اليونيفيل، خصوصاً في مجال المراقبة والتحقق(10).
ثانيًا، مرحلة ما بعد اليونيفيل والخيارات المتاحة
بالنسبة لتقرير الأمين العام في 1 حزيران 2026، واستناداً إلى الفقرة 10 من القرار 2790، قدم الأمين العام في 1 حزيران 2026 خيارات لمستقبل تنفيذ القرار 1701(11)، وهذه الوثيقة مهمة جداً لأنها تؤكد أن الأمم المتحدة لا تنظر إلى نهاية اليونيفيل على أنها نهاية للوجود الدولي. وقد تمحورت الخيارات كما أشرنا سابقًا حول ثلاثة، الأول ويشكل وجود محدود ل 1,980 عنصراً، وتكون مهمته محدودة نسبياً مع قدرة أقل على الانتشار والتحقق ودعم الجيش اللبناني. يشكل الثاني وجودًا متوسطًا ل 3,370 عنصراً، وهو يوفر قدرة أكبر على المراقبة ودعم انتشار الجيش اللبناني. الخيار الثالث هو وجود أكبر ل 5,525 عنصراً، ويتمتع بالقدرة الأكثر مصداقية على مراقبة التطورات على طول الخط الأزرق وحتى نهر الليطاني، والتحقق من الانتهاكات والتحقيق فيها، مع قدرة على فض الاشتباك ودعم انتشار الجيش اللبناني(12). وتكشف هذه الأرقام عن نقطة جوهرية وهي أن المشكلة لم تعد وجود اليونيفيل أو عدمه، وإنما أي شكل من أشكال الوجود الدولي بعد اليونيفيل. فإذا كان المقصود إنشاء عملية أممية جديدة ذات عناصر عسكرية أو شرطية ومهمة تنفيذية أو مراقبة، فإن الأساس القانوني الأكثر وضوحاً هو صدور قرار جديد عن مجلس الأمن، ذلك أن القرار 2790 أنهى مهمة اليونيفيل نفسها، وإن كان قد أبقى على بعض الوظائف خلال مرحلة الانسحاب. ومن الصعب قانوناً اعتبار وجود جديد مختلف في التكوين والولاية مجرد استمرار تلقائي لليونيفيل، لذلك سيكون من الأنسب إصدار قرار جديد يحدد الولاية، العدد، المنطقة، قواعد الانتشار، العلاقة مع الجيش اللبناني، قواعد الاشتباك، آلية التحقيق في الانتهاكات، التمويل وغيرها ... من الناحية القانونية، يمكن تصور إنشاء قوة دولية غير تابعة للأمم المتحدة، لكنها لن تكون بديلاً عن اليونيفيل من الناحية المؤسسية إلا بالمعنى السياسي. فقد يتشكل تحالف دولي لدعم لبنان أو قوة متعددة الجنسيات بطلب من الحكومة اللبنانية وبموافقة الدول المشاركة. وقد ظهرت بالفعل في عام 2026 مبادرة فرنسية-إيطالية لتشكيل ائتلاف دولي لدعم لبنان بعد انتهاء اليونيفيل، مع التأكيد على أن التفاصيل المؤسسية لم تكن قد حسمت بعد (13)، لكن هذه القوة ستكون مختلفة جذرياً عن اليونيفيل، لأن الفرق الأساسي هو أن اليونيفيل تحتاج تفويضًا من مجلس الأمن، أما القوة المتعددة الجنسيات فأساسها اتفاق دولي مع موافقة الدولة اللبنانية تحكمها ترتيبات بين الدول المشاركة، بحسب نموذجها. ومن هنا، يطرح السؤال ما اذا ستكون هذه القوة مجرد قوة مساعدة للجيش اللبناني، أم ستكون لها وظيفة مراقبة تنفيذ القرار 1701، فإذا ما كانت الوظيفة الثانية، فالأفضل قانوناً أن تحصل على تفويض صريح من مجلس الأمن. بكل الاحوال، هل انسحاب اليونيفيل يعزز السيادة اللبنانية؟ قد يبدو الجواب بسيطاً وبالايجاب، فالدولة اللبنانية ستكون الجهة الوحيدة المسؤولة عن الأمن في الجنوب، لكن المسألة هي أكثر تعقيداً، فالسيادة في القانون الدولي ليست مجرد غياب القوات الأجنبية، انما هي القدرة الفعلية للدولة على ممارسة سلطتها بصورة حصرية على إقليمها، ومن هنا قد يؤدي انسحاب اليونيفيل إلى نتيجتين متناقضتين، الأولى عندما يكون الجيش اللبناني قادراً على ممارسة سلطته الكاملة، فيساوي انسحاب اليونيفيل تعزيزًا للسيادة، أما الثانية، في حال أدى الانسحاب إلى فراغ أمني، فإنسحاب اليونيفيل يؤدي فعليًا الى تراجع في القدرة الفعلية للدولة على ممارسة سيادتها. وبالتالي فإن معيار السيادة ليس منوطًا عمليًا بالجهة المغادرة، بل بمن يستطيع أن يحل بصورة فعالة محل القوة التي تغادر. ومن الاساسي التذكير أن القرار 2790 أعطى الجيش اللبناني دوراً مركزياً، فهو دعا الحكومة اللبنانية إلى بسط سيطرتها على كامل الأراضي، وأكد الهدف المتمثل في ألا يكون هناك في المنطقة المعنية أسلحة سوى أسلحة الدولة، ولا سلطة سوى سلطة الحكومة اللبنانية(14)، كما ربط القرار بين انسحاب إسرائيل وبين انتشار القوات الشرعية اللبنانية. وهنا يمكن القول أن النظام الذي بدأ سنة 1978 باليونيفيل ينتهي نظرياً إلى إعادة المسؤولية إلى الدولة اللبنانية، لكن هذه العودة لا تكون قانونية ومكتملة إلا إذا تحققت ثلاثة شروط هي انتشار الجيش اللبناني واحتكار الدولة للسلاح وعدم وجود قوة أجنبية تمنع الدولة من ممارسة سلطتها. ماذا لو لم تكن هذه الشروط متحققة في 31 كانون الأول 2026؟ برأي الكاتب، هنا تبرز أخطر إشكالية، إذ هل يجوز إنهاء اليونيفيل لأن القرار 2790 حدد تاريخاً نهائياً، رغم عدم اكتمال الشروط الأمنية؟ من الناحية الشكلية، نعم، فمجلس الأمن هو الذي قرر إنهاء المهمة، ولكن من الناحية الموضوعية تظهر مشكلة أخرى اذ يمكن أن يؤدي إنهاء الآلية الدولية إلى إضعاف تنفيذ قرار لا يزال مجلس الأمن نفسه يعتبره واجب التنفيذ، وهنا تظهر أهمية المادة 24 من الميثاق، فمجلس الأمن يتحمل "المسؤولية الرئيسية" عن حفظ السلم والأمن الدوليين، وليس من المنطقي تفسير هذه المسؤولية على أنها مجرد سلطة إصدار القرارات، بل تشمل أيضاً متابعة تنفيذها عندما تستمر الظروف التي جعلت الأمن الدولي موضع تهديد. هذا لا يعني أن مجلس الأمن ملزم بالإبقاء على اليونيفيل لأنه ليس هناك في الميثاق نص يفرض على مجلس الأمن الإبقاء إلى الأبد على عملية حفظ سلام معينة، فالمجلس يملك تقدير الظروف، كما أن اليونيفيل ليست نتيجة معاهدة بين لبنان والأمم المتحدة تحدد مدة لا يمكن تعديلها، ولا يمكن القول إن للبنان حقاً مكتسباً في استمرار اليونيفيل إلى ما لا نهاية. لكن في المقابل، لا يعني ذلك أن مجلس الأمن يستطيع تجاهل الآثار القانونية والسياسية لإنهاء المهمة، فهو يستطيع إنهاء اليونيفيل، لكنه يظل مسؤولاً عن معالجة النتائج التي تترتب على هذا الإنهاء في إطار مسؤوليته عن السلم والأمن الدوليين. ولهذا السبب تحديداً طلب القرار 2790 من الأمين العام إعداد الخيارات البديلة(15).
ثالثًا، طبيعة الوجود الدولي المستقبلي بعد اليونيفيل
من أهم المبادئ التي يمكن استخلاصها من القرار 2790 أن مجلس الأمن لا يتعامل مع الانسحاب بإعتباره عملية خروج فقط، بل بإعتباره عملية إنتقالية، فالقرار طلب تقليصاً وإنسحاباً منظماً وآمناً، وهذا التعبير مهم قانونياً ويشير الى أن المجلس لم يأمر بإنسحاب مفاجئ، بل وضع عملية إنتقالية تستمر سنة كاملة، كما طلب من الأمين العام إبقاء المجلس على إطلاع بالتطورات(16)، ومن ثم فإن السنة الممتدة من 31 كانون الأول 2026 إلى 31 كانون الأول 2027 ليست مجرد فترة إدارية لتفكيك المعدات، بل يمكن إعتبارها مرحلة إنتقال قانونية وأمنية بين نظام اليونيفيل ونظام ما بعد اليونيفيل. لا شك أنه لا يمكن دراسة مستقبل اليونيفيل من دون دراسة الانسحاب الإسرائيلي، فالقرار 2790 دعا إسرائيل صراحة إلى الانسحاب إلى شمال الخط الأزرق والانسحاب من المواقع الخمسة التي كانت تحتلها داخل الأراضي اللبنانية ورفع المناطق العازلة التي أنشأتها شمال الخط الأزرق(17). وهذه النقطة شديدة الأهمية، لأن النظام الأمني الذي يريد مجلس الأمن الانتقال إليه يفترض، منطقياً وقانونياً، أن يكون الجيش اللبناني داخل الأراضي اللبنانية وأن تكون إسرائيل خارجها، أي خارج الأراضي اللبنانية. وإذا بقيت قوات إسرائيلية داخل لبنان، فإن إنهاء الوجود الدولي لا يحل المشكلة، بل قد يزيد تعقيدها. وهنا يهم الكاتب توضيح مسألة قانونية كثيراً ما تحدث لغطًا، وهي أن الخط الأزرق ليس حدوداً دولية بين لبنان وإسرائيل، وقد وضعته وإعتمدته الأمم المتحدة سنة 2000 كخط إنسحاب للتحقق من الانسحاب الإسرائيلي. ومن هنا، لا ينبغي تفسيره على أنه حدود دولية بل هو خط إنسحاب، وقد أكد تقرير مجلس الأمن على هذا التمييز، مشيراً إلى أن الخط الأزرق ليس حدوداً دولية متفقاً عليها، وإن كان يؤدي عملياً وظيفة فاصلة بين الطرفين(18). وهذا يعني أن أي وجود عسكري إسرائيلي شمال الخط الأزرق لا يمكن تبريره بمجرد القول إن الخط يمثل "حداً إسرائيلياً ". أما السؤال الاهم الذي يطرح هنا يتمحور حول إمكانية أن يؤدي إنتهاء اليونيفيل إلى إضعاف تنفيذ القرار 1701، وبالاجابة إيجابًا على هذا السؤال وهذا احتمال حقيقي، لأن اليونيفيل تؤدي وظائف لا يستطيع الجيش اللبناني أو أي طرف محلي القيام بها بالدرجة نفسها، ومن أبرزها المراقبة والاتصال بين الأطراف والتحقيق في بعض الوقائع وإعداد التقارير ووجود طرف دولي محايد على الأرض وغيرها... وهنا تظهر قيمة المراقبة الدولية، ففي النزاعات المسلحة، ليست وظيفة القوة الدولية دائماً استخدام القوة، قد تكون أهم وظيفة لها إنتاج حقيقة دولية موثقة حول ما حدث، وهذا مهم جداً بالنسبة للبنان، فوجود قوة دولية قادرة على توثيق الخروقات يحول النزاع من ادعاء لبناني ضد ادعاء إسرائيلي إلى واقعة موثقة أمام الأمم المتحدة. وبرأي الكاتب، ستشكل وظيفة التحقق أهم وظيفة في أي وجود دولي بعد اليونيفيل، فالوجود المستقبلي لا يحتاج بالضرورة إلى قوة عسكرية بالحجم الحالي لكنه يحتاج إلى المراقبة والتحقق وإعداد التقارير والتحقيق وتنسيق الجهود، ولهذا السبب فإن الخيار الثالث الذي طرحه الأمين العام مهم جداً، لأنه يعطي الوجود الدولي قدرة على مراقبة الخط الأزرق والتحقق من الانتهاكات والتحقيق فيها(19). من هنا، يمكن ان يتحول الوجود الدولي من حفظ السلام الى المراقبة، وهذا قد يكون جوهر المرحلة الجديدة، وهذا يختلف قانوناً وسياسياً عن قوة حفظ السلام التقليدية، وقد يكون هذا النموذج أكثر قبولاً للبنان من جهة، ولإسرائيل من جهة أخرى، لأنه لا يحل محل الجيش اللبناني ولا يحتل الأرض ولا يفرض نظاماً أمنياً مستقلاً، ولكنه يراقب تنفيذ التزامات الطرفين. ونصل الى السؤال النظري الذي غالبًا ما يطرحه البعض، فهل تستطيع الأمم المتحدة بالتالي مراقبة القرار 1701 من دون قوات؟ نعم من حيث المبدأ، فالأمم المتحدة تستطيع السير بأصول محددة كإستخدام مراقبين، تقارير الأمين العام، بعثات سياسية، خبراء، آليات اتصال، صور ومعلومات ميدانية، آليات تحقيق وغيرها... لكن المشكلة ليست في إمكانية المراقبة التقنية فقط، بل في مصداقية المراقبة، فالوجود الميداني يمنح التقرير الأممي قيمة أكبر، ولهذا فإن الخيار الثالث الذي طرحه الأمين العام يتمتع بأهمية قانونية أكبر من مجرد بعثة سياسية في بيروت(20). بكل الاحوال، يجب ألا تتحول القوة الدولية الجديدة إلى بديل عن الجيش اللبناني، بل ينبغي أن تكون مكملاً له، والفرق جوهري لأن السيادة الأمنية يجب أن تكون لبنانية، أما الدور الدولي فينبغي أن يكون للمساعدة والتدريب والمراقبة والتحقق والدعم اللوجستي وفض النزاعات، وهذا يتفق مع فلسفة القرار 2790 الذي جعل الهدف النهائي أن تصبح الحكومة اللبنانية الجهة الوحيدة المسؤولة عن الأمن في جنوب لبنان(21).
خاتمة تحليلية : اليونيفيل بين إتفاق الإطار وموقف حزب الله
تزداد المسألة تعقيداً في ضوء إتفاق الإطار الثلاثي الذي دخل في المشهد خلال 2026، والسؤال القانوني البديهي الذي يسأل هنا : هل يمكن للترتيبات الثنائية أو الثلاثية أن تحل محل القرار 1701؟ برأي الكاتب الجواب هو سلبي، فأي اتفاق بين لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة لا يلغي قراراً صادراً عن مجلس الأمن إلا إذا صدر لاحقاً قرار من المجلس يعدل أو ينهي الالتزامات ذات الصلة. وقد لاحظت مناقشات مجلس الأمن في تموز 2026 أن الإطار الثلاثي لا يتضمن، بحسب التحليل المنشور، دوراً صريحاً لليونيفيل أو لوجود أممي بديل، بينما لا يزال القرار 1701 هو الإطار الذي أنشأه مجلس الأمن للسلام والاستقرار بين لبنان وإسرائيل(22). وهذا يعني أن المسارين أي المسار الثنائي أو الثلاثي والمسار الأممي يجب أن يتكاملا لا أن يتعارضا. بكلام آخر، لا يمكن للإتفاق الجديد أن يحل محل القرار 1701، إلا إذا تم التوصل إلى إتفاق دولي صحيح بين الأطراف المعنية أو صدر قرار جديد عن مجلس الأمن يتعامل مع النظام الجديد أو نشأ نظام قانوني جديد يتوافق مع إلتزامات الميثاق وقرارات مجلس الأمن. أما مجرد إتفاق سياسي بين دولتين أو أكثر، فلا يستطيع بمفرده أن يمحو إلتزامات دولية ناشئة عن قرار مجلس الأمن، وهنا تظهر أهمية المادة 103 من ميثاق الأمم المتحدة التي تعطي، عند التعارض، الأولوية للإلتزامات الناشئة عن الميثاق. من هنا، يمكن تلخيص المستقبل القانوني في ثلاثة نماذج وهي تباعًا، إنشاء قوة أممية جديدة قريبة من اليونيفيل وتكون إستمرارًا لخبرة اليونيفيل السابقة بإسمٍ آخر، أو نموذج ثانٍ يتجسد ببعثة مراقبة تابعة للامم المتحدة، قوة أصغر تركز على المراقبة والتحقيق والتحقق ورفع التقارير، وهذا هو النموذج الذي يبدو قريباً من الخيارات التي طرحها الأمين العام(23)، وهذا برأي الكاتب أفضل نموذج قانوني للبنان إذا كان الهدف هو تعزيز السيادة مع الحفاظ على آلية دولية محايدة. أما النموذج الثالث، فيكون قوة متعددة الجنسيات خارج الأمم المتحدة تضم دولاً أوروبية وعربية أو دولاً أخرى، وتعمل بالتنسيق مع الجيش اللبناني، لكنها تحتاج إلى أساس قانوني واضح جداً، خصوصاً إذا كان لها وجود مسلح أو وظائف تتجاوز التدريب والمساعدة. وفي تحليل النماذج الثلاثة ومن وجهة نظر قانونية، لا يكون الخيار الأمثل للبنان هو عودة اليونيفيل بالشكل القديم، ولا إنسحاب الأمم المتحدة كلياً، بل يكون الحل الأفضل بوجود أممي أصغر حجماً، محدد الوظيفة، يركز على المراقبة والتحقق والتحقيق والاتصال ودعم الجيش اللبناني، مع إنتقال واضح للمسؤولية الأمنية إلى الدولة اللبنانية، وهذا يجمع بين السيادة اللبنانية والضمانة الدولية. بالنسبة لموقف حزب الله من مسألة اليونيفيل، فلا شك أنه لا يمانع وجوداً دولياً على أساس أن لا يتحول إلى أداة لفرض نزع سلاحه، وتاريخياً، لم يكن مؤيداً لتحويل اليونيفيل إلى قوة تنفيذية تعمل على نزع سلاحه، لكنه في الوقت نفسه يستفيد من وجودها من عدة نواحٍ : وجود دولي في الجنوب، آلية إتصال بين لبنان وإسرائيل، مراقبة الخروقات، رفع التقارير إلى مجلس الأمن، وجود حاجز سياسي أمام تحويل الجنوب إلى ساحة مفتوحة أمام إسرائيل... والجدير بالملاحظة أن إنهاء مهمة اليونيفيل لا ينهي المشكلة التي كانت مهمتها جزءاً من معالجتها، بل ينقل مركز الثقل في هذه المشكلة من المستوى الدولي إلى المستوى الوطني. فإذا كان وجود اليونيفيل قد جعل تنفيذ القرار 1701 مسؤولية مشتركة بين الدولة والقوة الدولية، فإن انتهاء مهمتها سيجعل الدولة اللبنانية أمام مسؤولية أكبر في إثبات قدرتها على ممارسة سلطتها الحصرية الواجبة في الجنوب. وفي هذه اللحظة تحديداً، يصبح وجود السلاح خارج مؤسسات الدولة، أياً تكن الجهة الحائزة له، ليس مجرد مسألة أمنية، بل مسألة تتصل مباشرة بجوهر السيادة اللبنانية وبمدى قدرة الدولة على تنفيذ التزاماتها الدولية. إن استمرار اليونيفيل أتاح، بصورة غير مباشرة، استمرار الفصل بين وظيفة حفظ الأمن الدولي ووظيفة نزع سلاح الجماعات المسلحة، بينما يؤدي انتهاء مهمتها إلى دفع الدولة اللبنانية نحو تحمل المسؤولية المباشرة عن تنفيذ مبدأ احتكار القوة. فانتهاء اليونيفيل لا ينهي النظام القانوني للقرار 1701، وإنما ينقل مركز الثقل في تنفيذ هذا النظام من القوة الدولية إلى الدولة اللبنانية، الأمر الذي يجعل العلاقة بين الجيش اللبناني وحزب الله العامل الحاسم في تحديد ما إذا كان الانسحاب الدولي سيؤدي إلى استعادة السيادة اللبنانية أم إلى فراغ أمني جديد. فهل كان وجود اليونيفيل يحمي حزب الله أم يقيده؟ السؤال يبدو سياسياً، لكنه في الحقيقة يكشف جوهر المعضلة القانونية ويمكن النظر إلى اليونيفيل من زاويتين متعارضتين: من الزاوية الأولى، وجودها يقيد حزب الله، لأن القرار 1701 يجعل منطقة جنوب الليطاني خاضعة لنظام أمني يمنع وجود السلاح والقوات غير التابعة للدولة أو اليونيفيل، ومن الزاوية الثانية، وجودها يوفر لحزب الله، بصورة غير مباشرة، مظلة دولية تحول دون أن يصبح الجنوب ساحة مواجهة مباشرة ومستدامة بينه وبين إسرائيل، فمصلحة حزب الله ترتبط بنوع الوجود الدولي ووظيفته، فهو يستطيع أن يستفيد من وجود دولي يحول دون الانفجار الشامل، لكنه يرفض أن يتحول هذا الوجود إلى آلية تنفيذية لنزع سلاحه، وسيكون المستقبل القريب خير شاهدٍ على أن حزب الله هو العامل الداخلي الأكثر تأثيراً في نجاح أو فشل وتعطيل انتقال المسؤولية من اليونيفيل إلى الجيش اللبناني.