انتهاء مهام اليونيفيل.... الضربة القاتلة لقرار مجلس الأمن 1701؟

يشكّل وجود اليونيفيل في الجنوب عاملاً مهماً في الحفاظ على الأمن والاستقرار، والحدّ من التوترات على الحدود الجنوبية. ومن هنا، فإن انسحاب هذه القوات يثير مخاوف جدية بشأن مستقبل المنطقة، في ظل الظروف الأمنية والسياسية المعقدة التي يعيشها لبنان. فغياب هذه القوات سيؤدي إلى تراجع دور الرقابة الدولية، وزيادة احتمالات التصعيد العسكري، واتساع دائرة المواجهات.

خطر انسحاب اليونيفيل لا يقتصر على الجانب الأمني فحسب، بل يمتد ليشمل أبعاداً سياسية وسيادية وإنسانية، ما يجعل هذا الموضوع قضية بالغة الأهمية بالنسبة إلى مستقبل لبنان وجنوبه. والسؤال الاهم المطروح هل انسحاب اليونيفيل يفرغ لقرار 1701 من مضمونه؟

المحامي البروفسور أنطونيوس أبو كسم يعتبر في حديث عبر Kataeb.org أنّ انتهاء مهام اليونيفيل في نهاية العام 2026 بموجب القرار 2690(2026)، يشكّل الضربة القاتلة لقرار مجلس الأمن 1701، وبالتالي، سحب كافّة الضمانات الأمنيّة، وتشريع الحدود اللبنانية لكافّة أنواع الانتهاكات لسيادته الداخليّة والخارجيّة، وينذر بانتهاء القرار 1701، حيث أنّه لا "1701" من دون قوات طوارئ دوليّة. 

ويقول: "إنّ قرار مجلس الأمن 1701(2006) يستند تحديداً على دور اليونيفيل في رصد وقف الأعمال القتالية، ومرافقة ودعم القوات المسلحة اللبنانية في أثناء انتشارها في جميع أرجاء الجنوب، بما في ذلك على طول الخط الأزرق، وأثناء سحب إسرائيل لقواتها المسلحة من لبنان وفق ما نصت عليه الفقرة الثانية من القرار،  ومساعدة القوات المسلحة اللبنانية على اتخاذ خطوات ترمي إلى إنشاء منطقة بين الخط الأزرق ونهر الليطاني خالية من أي أفراد مسلحين أو معدات أو أسلحة (الفقرة 11 من القرار)، ومساعدة حكومة لبنان، بناءً على طلبها، على تأمين حدوده وغيرها من نقاط الدخول لمنع دخول الأسلحة أو ما يتصل  بها من عتاد (الفقرة 14 من القرار). فبغياب اليونيفيل، ليس هناك من قوّة تتمتّع بشرعيّة دوليّة لرصد وقف الأعمال القتالية ولرصد انسحاب إسرائيل أقلّه من الأراضي اللبنانيّة المحتلّة، وبالتالي تغيب رقابة الأمم المتحدة عن تطبيق مندرجات القرار 1701."

ويضيف:" الأخطر، أن اتفاق الإطار الثلاثي المبرم في 26 حزيران 2026، لم يأت على ذكر تطبيق القرار 1701 ولا تطبيق أي قرارٍ صادر عن الأمم المتحدة. وهناك ثمّة تباينات جوهرية بين القرار 1701 والإطار؛ لا سيما أنّ وجود قوات الدفاع الإسرائيلية في لبنان يشكّل انتهاكاً للقرار ولكنه لا ينتهك الإطار الثلاثي. فلم يُؤخذ دور الأمم المتحدة في الحسبان صراحة في الإطار الثلاثي فيما يتعلق بالتحقّق من انتهاكات القرار 1701."

ويشير الى إنّ الإطار الثلاثي قد أطفأ كلياً مفاعيل "إعلان وقف الأعمال العدائية والالتزامات ذات الصلة بشأن الترتيبات الأمنية المعززة ونحو تنفيذ قرار مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة 1701" الذي أقرّ في 26/11/2024. فهذا الإعلان، يقوم على دور أساسي لليونيفيل لناحية عمل الآلية (الميكانيسم The Mechanism) واستضافتها. فبموجب الإطار الثلاثي، استبدل هذا الميكانيسم بمجموعة التنسيق العسكري للبنان (MCG4L)، هيئة تحقّق ثنائية مؤلفة من لبنان وإسرائيل فقط، تخلو من مشاركة اليونيفيل وفرنسا، على أن يكون دور الولايات المتحدة تيسيري. 

أبو كسم يعتبر أنّ القرار 1701 أدخل في نومٍ سريري بعد إنهاء مهام اليونيفيل، وبعد استبداله باتفاقية الإطار الثلاثي، كنصّ تطبيقي على أرض الواقع. ويوضح إنّه وبالرغم من الأداء غير الفعّال لليونيفيل، إنّ التخلّي عن اليونيفيل كقوّة حفظ سلام تابعة للأمم المتحدة، يعني التخلّي عن المظلّة السياديّة للأمم المتحدة بصفتها الشرعيّة الدولية، ونكون قد تخلّينا عن غطاء الشرعية الدولية لسيادة واستقلال لبنان، خصوصاً وأنّ قرارات مجلس الأمن بأجمعها كرّست مبدأ انسحاب إسرائيل من الأراضي اللبنانية إلى جنوب الخطّ الأزرق ومبدأ احترام السيادة اللبنانيّة داخلياً وخارجياً. علاوةً على ذلك، إنّ إطفاء تطبيق القرار 1701 في الوقت الحالي، يؤدّي إلى تقويض دور الأمم المتّحدة في حفظ السلام، وترك مسألة السّلم والأمن رهينة القوّة الحربيّة وليس استناداً على أسس سيادة الدّول وسيادة القانون الدولي.

ما مصير القرار والتزاماته؟
وعن مصير القرار والتزاماته وهل من إمكانية لتعديله بما يتناسب بالمرحلة المقبلة، يؤكد ألا يمكن تعديل قرارات مجلس الأمن وفقاً لميثاق الأمم المتحدة، وبالتالي من المستحيل تعديل قرار مجلس الأمن 1701. إلّا أنّه لمجلس الأمن أن يعتمد قراراً آخر بشأن النزاع مع إسرائيل، وحسب مندرجاته، يمكن أن يشكّل تعديلاً ضمنياً لبعض أحكام القرار 1701. إنّه وبغياب أيّ قرار جديدٍ صادر عن مجلس الأمن يبدّل من موجبات أطراف النزاع المنصوص عليها في القرار 1701، يبقى قرار مجلس الأمن نافذاً وملزماً وليس فقط لأطراف النزاع بل لكافّة أعضاء الأمم المتحدة بموجب المادة 25 من ميثاق الأمم المتحدة.

ويضيف:" أهميّة القرار 1701، أنّه يكرّس مصادقة الشرعيّة الدوليّة على مبادئ جوهريّة تتعلّق بسيادة لبنان، كانسحاب إسرائيل من جنوب لبنان (الفقرتان 2 و8) وفقاً للخطّ الأزرق كخطّ انسحاب قوات الاحتلال ومطالبته بالاحترام التام لهذا الخطّ (الفقرتان 4 و8)، وكموجب سيطرة حكومة لبنان على جميع الأراضي اللبنانية وفق أحكام القرار ١٥٥٩ (2004) والقرار ١٦٨٠ (2006) والأحكام ذات الصلة من اتفاق الطائف (الفقرة 3)، وتكريس حدود لبنان المعترف بها دولياً حسب الوارد في اتفاق الهدنة العامة بين إسرائيل ولبنان المؤرخ في ٢٣ آذار ١٩٤٩(الفقرة 5)، وتكريس مبدأ منع وجود قوات أجنبية في لبنان دون موافقة حكومته (الفقرة 8)."

ويتابع: "حالياً، يبدو من الصعوبة استصدار قرار جديدٍ صادر ٍ عن مجلس الأمن يكرّس هذه الثوابت، خصوصاً وأنّ الإطار الثلاثي، قد تخطّى ضمنياً فكرة الخطّ الأزرق، واستبدل رقابة الأمم المتحدة لوقف إطلاق النار وللخطّ الأزرق، بمعايير جديدة تستند إلى الانسحاب الإسرائيلي المشروط وفقاً لمناطق تجريبيّة. ولم يعتد مجلس الأمن أن يصدر قرارات تستند إلى فكرة مناطق تجريبيّة. وتكمن المعضلة الأساسيّة في أنّ أطراف النزاع الفعليين، أصبحوا من حلّ من نظام الأمم المتحدة ومن قواعد القانون الدولي، فلم يعد هناك مرجعيّة قانونيّة تحكم أطر الأعمال الحربيّة سوى موازين القوى."

ويلفت الى إنّ القرار 1701 قائم على الدور الوقائي والرقابي لليونيفيل، إضافة إلى الدور المساند للجيش اللبناني. وإلغاء هذا الدور  سيفقد الدّور الرقابي لها لناحية توثيق الانتهاكات الاسرائيليّة وسينهي مفهوم الخطّ الأزرق، وسيؤدّي إلى وضع الجيش اللبناني بموقع المواجهة من دون غطاء الشرعيّة الدوليّة وحمايتها. وسحب اليونيفيل من جنوب لبنان سيؤدّي إلى إعلان الجنوب المدمّر منطقة مستباحة للحريق، وإعلانها منطقة مواجهة مفتوحة، تسهيلاً لأيّ مشروع اجتياح اسرائيليّ بغية تحقيق مخطّط المنطقة العازلة، بعد نجاح التموضع في الجولان السّوري ليصبح ضمًّا لأراضٍ سوريّة خدمة للذرائع الأمنيّة.

ويختم أبو كسم حديثه لموقعنا ليقول إنّ اليونيفيل كانت تشكّل (ولو رمزياً) الضمانة الدولية لتنفيذ القرار 1701. فالتمديد التقني لولايتها في ظلّ فشل تطبيق الإطار الثلاثي بسبب تعنّت أطراف النزاع، قد يكون الملجأ الوحيد للحكومة اللبنانية لكي تحافظ على غطاء الشرعية الدولية وتعيد إنعاش تطبيق القرار 1701 الذي يكرّس الثوابت السياديّة.