انعكاسات إقليمية وترقب لبناني داخلي

على إيقاع تحوّلات إقليمية متسارعة، انطلقت في العاصمة العُمانية مسقط الجولة الأولى من المفاوضات النووية بين الولايات المتحدة وإيران، في مسار يُنظر إليه على أنه مفصلي في رسم ملامح المرحلة المقبلة في الشرق الأوسط، وسط ترقب لبناني لما قد تحمله هذه المحادثات من انعكاسات مباشرة على الداخل اللبناني، سياسيًا وأمنيًا.

وتأتي هذه الجولة في ظل مناخ متوتر، مع تصاعد المخاوف من احتمال تنفيذ الرئيس الأميركي دونالد ترامب تهديداته بشن ضربات عسكرية ضد إيران، بالتزامن مع تحشيد عسكري أميركي واسع في المنطقة، ما يعكس حجم التعقيد الذي يحيط بالمفاوضات. وفيما تسعى طهران إلى حصر النقاش بالملف النووي حصرًا، تصرّ واشنطن على توسيع إطار التفاوض ليشمل برنامج الصواريخ البالستية، ودور إيران الإقليمي عبر حلفائها، إضافة إلى ملفات داخلية مرتبطة بالتعامل مع الاحتجاجات. وقبيل انطلاق المحادثات، شدّد وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي من مسقط على ضرورة قيام المفاوضات على قاعدة "الاحترام المتبادل والمصلحة المشتركة"، معتبرًا أنها شروط أساسية لأي اتفاق مستدام.

في لبنان، تواكب رئاسة الجمهورية هذه التطورات عن كثب، في ظل إدراك رسمي لحجم الترابط بين مسارات التفاوض الإقليمية والاستقرار الداخلي. وفي هذا السياق، عرض رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون مع السفير الأميركي في بيروت ميشال عيسى نتائج زيارة قائد الجيش العماد رودولف هيكل إلى واشنطن، والتي تندرج في إطار تعزيز التعاون العسكري بين البلدين، كما تم البحث في التحضيرات الجارية لعقد مؤتمر باريس المرتقب في الخامس من آذار المقبل لدعم الجيش اللبناني وقوى الأمن الداخلي، والذي يحظى بدعم دولي واسع ومشاركة أميركية فاعلة، على أن يسبقه اجتماع تنسيقي لتوحيد المواقف. ويكتسب المؤتمر أهمية خاصة مع تأكيد مشاركة الرئيس عون إلى جانب الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، ما يعكس مستوى الاهتمام الدولي بدعم المؤسسات الأمنية اللبنانية.

وفي سياق الدعم الدولي للبنان، أكّد السفير المصري من قصر بعبدا التزام دول "اللجنة الخماسية" بإنجاح مؤتمر باريس، مشددًا على دعمها توجه الدولة اللبنانية لإجراء الانتخابات في موعدها، وتطبيق اتفاق وقف إطلاق النار، في إشارة إلى حرص المجتمع الدولي على تثبيت الاستقرار السياسي والأمني في البلاد.

وفي موازاة المسار الدبلوماسي، يتصدر ملف الاعتداءات الإسرائيلية المشهد اللبناني، حيث شدّد الرئيس عون خلال استقباله وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو في قصر بعبدا على أن انسحاب إسرائيل من الأراضي اللبنانية التي لا تزال تحتلها وانتشار الجيش اللبناني حتى الحدود يشكّلان المدخل الأساسي لحل الوضع في الجنوب. وأكد أن الجيش اللبناني سيتحمّل عندها المسؤولية الكاملة في حفظ الأمن والاستقرار، مشددًا على أن استمرار الوضع الراهن غير مقبول، وأن إسرائيل مطالبة بإدراك أن أي تسوية دائمة لن تتحقق من دون انسحابها الكامل.

وأوضح رئيس الجمهورية أن الجيش اللبناني عزز انتشاره جنوب الليطاني وبسط سيطرته الكاملة على المنطقة وأزال المظاهر المسلحة، في مقابل استمرار إسرائيل في تجاهل الدعوات الدولية للانسحاب. وأكد أن لبنان يعوّل على دعم الدول الصديقة للمساعدة في تثبيت الاستقرار، مشددًا على أن قرار حصر السلاح بيد الدولة هو خيار سيادي يخدم مصلحة لبنان أولًا، وليس استجابة لضغوط خارجية.

كما رحّب الرئيس عون بالدور الفرنسي في المساعدة على ترسيم الحدود البرية والبحرية بين لبنان وسوريا، نظرًا لما تملكه باريس من وثائق وخرائط تاريخية تساعد في هذا المسار، مؤكدًا أن لبنان ينتظر الجهوزية السورية لاستكمال هذا الملف. وفي الشق الأمني، شدّد على أن المعابر البرية والجوية والبحرية تخضع لضبط كامل، نافيًا صحة الادعاءات المتعلقة بعمليات تهريب أسلحة أو أموال، داعيًا إلى تقديم أي أدلة إلى الجهات الرسمية المختصة.

من جهته، نقل الوزير الفرنسي تحيات الرئيس ماكرون ودعمه للرئيس عون، منوّهًا بالإصلاحات التي تبادر إليها الدولة اللبنانية، ومعتبرًا أنها تتطلب جرأة سياسية في معالجة ملفات حساسة.

وبين مفاوضات مسقط واحتمالات التصعيد العسكري، يراقب لبنان تطورات المشهد الإقليمي بحذر، في ظل رهانه على نجاح المسارات الدبلوماسية الدولية في خفض التوترات، بما ينعكس استقرارًا داخليًا، ويعزّز فرص تثبيت الأمن في الجنوب، ويفتح الباب أمام مرحلة دعم دولي أوسع للمؤسسات اللبنانية، في وقت تتقاطع فيه الاستحقاقات السياسية والأمنية مع تحولات كبرى تشهدها المنطقة.