المصدر: المدن
الكاتب: ندى اندراوس
الأربعاء 16 أيلول 2026 00:56:01
تتجه الأنظار الخميس إلى باريس، حيث يُعقد إجتماع دولي لدعم الجيش اللبناني وقوى الأمن الداخلي، في محطة تريدها فرنسا سياسية وعسكرية في آن واحد، هدفها تثبيت المؤسسات الشرعية في قلب أي تسوية مقبلة، وربط مطالب إستعادة السيادة وحصر السلاح بتأمين القدرات الفعلية للجيش.
لكن إجتماع الخميس لن يكون مؤتمر التعهّدات الأساسي، إذ لا يتوقع أن يُعلن موعد المؤتمر الدولي الموسّع الذي يُفترض أن تُكشف خلاله قيمة المساعدات وحجم برامج الدعم والتسليح والتجهيز المخصصة للجيش والقوى الأمنية. وبالتالي، يُنتظر أن يشكّل إجتماع باريس محطة تحضيرية تقنية وعسكرية، تُحدَّد فيها الحاجات والأولويات، تمهيدًا لمؤتمر الدعم الأساسي في وقت لاحق، إن حصل.
وتكشف دوائر خارجية مطّلعة لـ"المدن" أن فكرة الاجتماع وُلدت خلال مشاورات بين الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون والعاهل الأردني الملك عبد الله الثاني، ضمن "مسار العقبة"، قبل الاتفاق على عقده في فرنسا بمشاركة رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون.
ومن المقرر أن يبدأ البرنامج بفطور عمل بين ماكرون وعون، يعقبه لقاء بين الرئيس الفرنسي والعاهل الاردني، ثم لقاء ثلاثي يجمع القادة الثلاثة، قبل إنتقالهم إلى مقر "الأنفاليد" لافتتاح المؤتمر، على أن يتركوا بعد ذلك المجال أمام القيادات العسكرية لعقد جلسات العمل التقنية.
وبحسب الدوائر المطلعة، تكتسب مشاركة الرئيس عون أهمية سياسية تتجاوز حضوره إفتتاح المؤتمر، إذ تتيح له اللقاءات الثنائية واللقاء الثلاثي عرض الموقف اللبناني مباشرة، وربط حاجات الجيش بالاستحقاقات السيادية والأمنية المقبلة. كما تشكّل فرصة لحشد دعم دولي طويل الأمد للمؤسسة العسكرية، بوصف تعزيز قدراتها شرطًا لتمكين الدولة من بسط سلطتها على كامل أراضيها، وتنفيذ التزاماتها في الجنوب، ومواجهة تحديات مرحلة ما بعد اليونيفيل.
وتضم قائمة الدول المدعوة السعودية وقطر والكويت والإمارات ومصر والولايات المتحدة، إلى جانب قبرص وتركيا وبريطانيا وإيطاليا وإسبانيا وألمانيا ودول أخرى صديقة للبنان ولفرنسا، فيما تستمر عملية تثبيت المشاركات حتى الساعات الأخيرة.
مؤتمر عسكري لتحديد الحاجات
إن حضور رؤساء الأركان وقادة الجيوش يعكس طبيعة الاجتماع والنتائج المتوقعة منه. فباريس لا تريد محطة سياسية جديدة تكتفي بتأكيد دعم لبنان، بل تسعى إلى وضع الدول المشاركة أمام عرض واضح للوضع الأمني، والمهمات الملقاة على عاتق الجيش، والقدرات التي يحتاج إليها لتنفيذها.
ومن المنتظر أن يقدم قائد الجيش العماد رودولف هيكل عرضًا عن الواقع الميداني والتحديات الأمنية، تليه إحاطة من ممثل للأمم المتحدة، قبل أن يعرض الجانب اللبناني إستراتيجيته للانتشار في الجنوب، وبسط سلطة الدولة على كامل الأراضي اللبنانية، وحصر السلاح بيد المؤسسات الشرعية.
بعد ذلك، تنتقل النقاشات إلى تحديد حاجات الجيش في العتاد والتأهيل والتدريب والقدرات اللوجستية والتقنية، وإلى كيفية مساهمة الدول المشاركة في سد الثغرات القائمة.
هنا تقول المصادر إنه لا يُنتظر أن يشهد اجتماع الخميس إعلان رصد لبرامج دعم، وإن كان من المحتمل أن تكشف بعض الدول عن نيتها تقديم مساعدات أو إطلاق مسارات تعاون جديدة مع الجيش.
وبذلك، يشكل اجتماع الخميس مرحلة تأسيسية: يعرض الجيش إستراتيجيته، تحدد الدول طبيعة مساهمتها الممكنة، ثم تُحوَّل هذه الاحتياجات لاحقًا إلى التزامات وبرامج تنفيذية.
دعم الجيش جزء من أي تسوية
تؤكد المعلومات المستقاة من الدوائر المعنية أن المقاربة الفرنسية تقوم على أن مطالبة الدولة اللبنانية ببسط سيادتها وحصر السلاح لا يمكن فصلها عن تمكين الجيش من أداء هذه المهمة. فالمؤسسة العسكرية مطالبة بالانتشار في الجنوب، وإستعادة المواقع والأراضي، وحماية الحدود، ومنع وجود السلاح خارج سلطة الدولة، لكنها تحتاج في المقابل إلى تجهيزات وقدرات وموارد توازي حجم هذه المسؤوليات.
وفي هذا السياق، علمت "المدن" أنه سبق لفرنسا أن زوّدت الجيش اللبناني بمعدات وآليات وتجهيزات بقيمة تقارب ثلاثين مليون يورو، وهي تعتزم مواصلة دعمها. إلا أن باريس تدرك أن حاجات الجيش تتجاوز قدرة دولة واحدة، ما يفسّر السعي إلى تشكيل مظلة دولية وعربية واسعة.
وتكتسب المبادرة أهمية إضافية في ظل إقتراب إنتهاء مهمة اليونيفيل والتحضير لانسحاب عناصرها تدريجيًا خلال العام 2027. فالمطلوب ليس دعم الجيش لتولي مهمات جديدة فحسب، بل منحه القدرة على ملء جزء من الفراغ الذي سيتركه تراجع الحضور الدولي في الجنوب.
لا حصر للسلاح من دون إنسحاب إسرائيلي
يتقاطع مؤتمر باريس مع جمود واضح في المفاوضات بين لبنان وإسرائيل. وتشير الدوائر المطلعة إلى أن فرنسا، التي أيّدت الاتفاق الإطار منذ السادس والعشرين من حزيران وشجعت الانتقال إلى الحوار، لا ترى حتى الآن تقدمًا جديًا، لا على الأرض ولا في المسار السياسي.
وعلى الرغم من أهمية اللقاءات بين ممثلي الجانبين، لا تزال المفاوضات عاجزة عن إنتاج خطوات ملموسة، فيما يتواصل خرق وقف إطلاق النار، وتستمر العمليات الإسرائيلية في الجنوب، إلى جانب التدمير ومنع عودة الحياة الطبيعية إلى عدد من المناطق. وتظهر تداعيات هذا الواقع في إستمرار إقفال مدارس وتعذر عودة السكان إلى بلداتهم.
وتتمحور الرؤية الفرنسية حول ضرورة تحرك الطرفين بصورة متوازية: ينتشر الجيش اللبناني، ويستعيد سلطة الدولة، ويتقدم مسار حصر السلاح، في مقابل إنسحاب إسرائيل وتسليم المواقع إلى الجيش ووقف الاعتداءات.
فباريس ترفض إختزال التسوية بمطالبة لبنان بسحب سلاح حزب الله، من دون معالجة الاحتلال الإسرائيلي ومن دون تأمين الوسائل التي يحتاج إليها الجيش. ولذلك، يأتي مؤتمر الدعم ليذكّر بأن إستعادة الدولة لقرارها لا تتحقق بالضغط السياسي وحده، بل تحتاج إلى مؤسسة عسكرية قادرة على الإمساك بالأرض وحمايتها.
وترى الدوائر الخارجية أن الحصول على ضمانة إسرائيلية بالانسحاب من بعض المناطق وتسليمها إلى الجيش قد يسمح بتحقيق تقدم، من دون إنتظار إتفاق شامل بين الولايات المتحدة وإيران. فالربط الكامل بين مستقبل لبنان والتفاهم الأميركي الإيراني قد يؤدي إلى تجميد الوضع اللبناني فترة غير محددة، في حين يمكن البدء بإجراءات ثقة متبادلة على الأرض.
حوار فرنسي مع إيران وحزب الله
لا تفصل فرنسا الأزمة اللبنانية عن التحولات التي شهدتها المنطقة خلال السنوات الثلاث الماضية. وهي تحافظ على قنوات الحوار مع إيران، رغم أن العلاقات بين البلدين ليست في أفضل أحوالها بسبب الملف النووي وقضايا الفرنسيين المحتجزين ومقتل فرنسيين ضمن اليونيفيل، إضافة إلى مقتل جندي فرنسي في العراق.
مع العلم أن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يعد من رؤساء الدول القلائل الذين حافظوا على التواصل مع المسؤولين الإيرانيين، إلا أن إستمرار الحوار لا يلغي عمق الخلافات.
وتتبع باريس مقاربة مشابهة مع حزب الله، إذ لا تدرجه على لائحة التنظيمات الإرهابية، وتُبقي قنوات الاتصال السياسي والأمني معه مفتوحة، رغم الخلاف الجوهري حول السلاح وإحتفاظ تنظيم خارج الدولة بقرار يتصل بالسياسة الخارجية والدفاع والحرب.
وبالنسبة إلى فرنسا، يبقى حصر السلاح مسألة لبنانية في نهاية المطاف، ويتطلب قرارًا من الدولة وحوارًا داخليًا، لكن لا يمكن السماح باستمرار مصادرة القرار السيادي من خارج المؤسسات الشرعية.
الخوف من فراغ ما بعد اليونيفيل
يمثل مستقبل الجنوب بعد إنتهاء مهمة اليونيفيل أحد أكثر الملفات إثارة للقلق الفرنسي. فالقوة الدولية، التي تضم حاليًا نحو 7800 عنصر، تتحضر جديًا لانسحاب تدريجي خلال العام 2027، فيما لا تزال هوية القوة أو الآلية البديلة غير واضحة.
ويزداد القلق لأن المسار الثلاثي لا يحقق تقدمًا، على الرغم من وجود جدول زمني للاجتماعات. وفي حال إستمرار الجمود، قد يبدأ إنسحاب اليونيفيل قبل التوصل إلى تفاهم سياسي وأمني يحدد الجهة التي ستملأ الفراغ.
وتجري فرنسا حوارًا مع إيطاليا حول المرحلة المقبلة، إلا أن أسئلة أساسية لم تُحسم بعد: هل ستكون هناك قوة دولية جديدة؟ ما طبيعة مهمتها؟ من سيشارك فيها؟ ما قواعد عملها؟ وهل ستحظى بتفويض من مجلس الأمن وطلب رسمي من لبنان؟
في المعلومات التي حصلت عليها " المدن"، يبدو أن باريس لم تحسم موقفها من المشاركة في أي قوة بديلة. فالقرار سيتوقف على طبيعة المهمة والنتائج المطلوبة منها والضمانات التي ستحصل عليها، وعلى ألا تكون مجرد تكرار لتجربة عاجزة عن حماية عناصرها أو تنفيذ التفويض الممنوح لها.
وفي المقابل، تفضّل الولايات المتحدة قيام حوار مباشر بين "الجارين" لبنان وإسرائيل، بما يؤدي تدريجيًا إلى عدم الحاجة إلى قوة فاصلة بينهما. لكن باريس تنظر بحذر إلى هذا الخيار، لأن غياب قوة دولية أو آلية مراقبة موثوقة، في ظل إستمرار الاحتلال والخروقات وتعثر المفاوضات، قد يفتح الباب أمام فراغ بالغ الخطورة.
القرار 1701 أم إطار بديل؟
تنظر فرنسا إلى القرار 1701 باعتباره الإطار الذي يتضمن معظم عناصر الحل: إنتشار الجيش، حصر السلاح، إنسحاب إسرائيل، إستعادة سيادة الدولة ووجود آلية دولية للمراقبة.
ومع ذلك، لا تتعامل باريس مع القرار باعتباره صيغة غير قابلة للنقاش، بل تركز على المبادئ التي يتضمنها. فإذا أمكن التوافق على إطار بديل يضمن هذه العناصر ويوفر آلية أكثر فاعلية، فإنها ستكون مستعدة لبحثه.
لكن المشكلة الأساسية تكمن في غياب التوافق الدولي حتى الآن على المرحلة المقبلة، وخصوصًا في ظل إختلاف النظرة الأميركية إلى القرار 1701 وإلى ضرورة إستمرار وجود قوة دولية بين لبنان وإسرائيل.
ومن هنا، لا يبدو توقيت مؤتمر دعم الجيش مصادفة. فالمطلوب تحضير المؤسسة العسكرية اللبنانية لتكون الطرف الأساسي على الأرض، سواء استمرت اليونيفيل بصورة أو بأخرى، أو حلت مكانها قوة أصغر، أو جرى اعتماد آلية مراقبة جديدة.
حضور فرنسي يتجاوز الملف الأمني
لا تقتصر الحركة الفرنسية تجاه لبنان على دعم الجيش والملفات السياسية. فقد سبقت المؤتمر زيارة لوزير العدل الفرنسي جيرالد دارمانان، حملت عنوان تعزيز التعاون القضائي، بالتوازي مع الاهتمام الفرنسي بالإصلاحات ومؤسسات الدولة.
وفي الجانب الاقتصادي، يشكل الاتفاق الذي أعلنه رودولف سعادة مع مرفأ بيروت، والاستثمار الفرنسي البالغ مئة مليون يورو، مؤشرًا إيجابيًا إلى إمكان إستعادة الثقة تدريجيًا بالاقتصاد اللبناني.
وتنظر باريس إلى مستقبل المرفأ باعتباره جزءًا من مستقبل لبنان ودوره الاقتصادي. إلا أن هذا الاستثمار، على أهميته، لا يلغي حاجة البلاد إلى إستثمارات عربية ودولية متعددة، بل يمكن أن يشكل إشارة أمل ورسالة تشجيع لمستثمرين آخرين.
ويضاف إلى الحضور السياسي والاقتصادي البعد التربوي والفرنكوفوني. ففي لبنان 67 مدرسة فرنسية معتمدة تضم نحو 62 ألف طالب، بعدما تضاعف العدد خلال ثلاث سنوات. وهي من أكبر شبكات المدارس الفرنسية في العالم، ما يجعل الفرنكوفونية في لبنان واقعًا إجتماعيًا وتربويًا، لا مجرد إمتداد تاريخي.
وقد أتاحت جولة السفير الفرنسي الجديد باتريك دوريل على أربع مدارس، بالتزامن مع العودة إلى الصفوف، الاطلاع على أجواء الطلاب وحيويتهم، وتظهير وجه آخر للبنان بعيدًا من الأزمات السياسية والأمنية.
أما في السياسة، فقد حمل دوريل في بداية مهمته ترحيبًا فرنسيًا بوجود رئيس جديد للجمهورية وحكومة جديدة.
في المحصلة، لن تُقاس أهمية إجتماع باريس الخميس بحجم المساعدات التي ستُعلن فيه، لأنه ليس مؤتمر التعهدات الأساسي، بل بقدرته على تحديد ما يحتاج إليه الجيش، وما تستطيع الدول الصديقة تقديمه، وكيفية ربط الدعم بخريطة طريق سياسية وأمنية واضحة.
أما الاختبار الحقيقي، فيبقى في الانتقال من الدعم المبدئي إلى التعهدات الفعلية، ومن المطالبة بحصر السلاح إلى تمكين الجيش، ومن الحديث عن الانسحاب الإسرائيلي إلى تحقيقه، ومن التحذير من فراغ ما بعد اليونيفيل إلى بناء البديل قبل أن يصبح الفراغ أمرًا واقعًا.