باريس ترسم ملامح مرحلة ما بعد "اليونيفيل" وروما تختبر مستقبل سيادة الدولة اللبنانية

 

تتجاوز الجولة الجديدة من المفاوضات اللبنانية - الإسرائيلية المنعقدة في روما كونها اجتماعاً تقنياً لمتابعة تنفيذ اتفاق السادس والعشرين من حزيران، لتتحول إلى محطة مفصلية في رسم ملامح المرحلة الأمنية والسياسية التي ستلي انتهاء مهمة قوة الأمم المتحدة الموقتة في جنوب لبنان "اليونيفيل" في٣١ كانون الأول المقبل.

وفي هذا السياق، كشفت فرنسا للمرة الأولى بوضوح عن تصورها لليوم التالي لانسحاب "اليونيفيل"، واضعة سيادة الدولة اللبنانية في صلب المبادرة التي تعمل عليها بالتنسيق مع الولايات المتحدة وإيطاليا وشركائها الأوروبيين.
تؤكد باريس أن أي تحرك لن يتم إلا بطلب من الحكومة اللبنانية وبموافقتها، في محاولة لتفادي أي انطباع أن المجتمع الدولي يسعى إلى فرض ترتيبات أمنية جديدة على لبنان. لكن الرسالة الفرنسية تتجاوز الشكل، إذ ترى أن بسط الدولة اللبنانية سلطتها الكاملة على الجنوب، عبر الجيش اللبناني، أصبح المدخل الوحيد لاستقرار طويل الأمد، ولتنفيذ القرار ١٧٠١ واتفاق ٢٦ حزيران، كما يشكل في الوقت نفسه الضمان الأمني الذي تطالب به إسرائيل على حدودها الشمالية.

الاستعداد الأوروبي
تعوّل باريس على أن تفضي اجتماعات روما إلى تقدم ملموس في تنفيذ الاتفاق، ولا سيما في ما يتعلق بانسحاب القوات الإسرائيلية من المواقع التي لا تزال تحتلها، مقابل انتشار الجيش اللبناني وتولّيه المسؤولية الأمنية الكاملة في تلك المناطق.
غير أن الجانب الأكثر أهمية في الطرح الفرنسي يتمثل في الاستعداد الأوروبي لملء الفراغ بعد "اليونيفيل". فباريس تقترح إنشاء ائتلاف دولي خاص يعمل بدعوة من الحكومة اللبنانية، ويتولى مواكبة الجيش اللبناني في تنفيذ الاتفاق، سواء من خلال المراقبة أو الدعم اللوجيستي والتقني والتدريب، بما يضمن استمرار الحضور الدولي من دون إعادة إنتاج تجربة "اليونيفيل" بصيغتها التقليدية.


وتربط فرنسا بين نجاح هذه الآلية وتحقيق عنصرين متلازمين: استكمال انسحاب القوات الإسرائيلية، وتمكين الجيش اللبناني من فرض سلطة الدولة على كامل الجنوب، بما يشمل تنفيذ قرار حصر السلاح بيد الدولة، وهو ما يضع ملف سلاح "حزب الله" في قلب المرحلة المقبلة، وإن كانت باريس تتجنب استخدام لغة تصادمية، مفضلة الحديث عن تنفيذ الاتفاق بواسطة المؤسسات الشرعية اللبنانية.

ويأتي هذا الطرح فيما يناقش مجلس الأمن مستقبل الوجود الدولي في جنوب لبنان، وسط اقتناع متزايد في العواصم الغربية بأن الصيغة التي حكمت عمل "اليونيفيل" طوال ما يقارب خمسة عقود لم تعد تتناسب مع الوقائع الجديدة التي فرضتها الحرب الأخيرة، وأن المرحلة المقبلة تتطلب آلية أكثر ارتباطاً بالدولة اللبنانية وأقل اعتماداً على قوات حفظ السلام التقليدية.

وتكشف الأوساط الفرنسية أن باريس تعمل بالتوازي على مسار سياسي ومالي لدعم هذا التحول، من خلال الإعداد لمؤتمر دولي تستضيفه خلال الأسابيع المقبلة، بمشاركة الولايات المتحدة والدول الأوروبية وعدد من الدول العربية، بهدف توفير الموارد اللازمة لتعزيز قدرات الجيش اللبناني وقوى الأمن الداخلي، بوصفهما المؤسستين اللتين ستقع على عاتقهما مسؤولية تنفيذ الاتفاق وضمان الاستقرار.


سياسة التكتم على رغم أهمية الاجتماعات المنعقدة في روما، تلتزم باريس سياسة التكتم، مؤكدة أن إعلان نتائج المفاوضات أو تفاصيلها يبقى من اختصاص الجانب اللبناني. إلا أن المؤشرات الصادرة عن المسؤولين الفرنسيين توحي بأن النقاش تجاوز المبادئ العامة، ودخل في تفاصيل تتعلق بآليات الانسحاب الإسرائيلي، وانتشار الجيش اللبناني، والدور الذي يمكن أن تؤديه القوة الدولية الجديدة في مرحلة ما بعد "اليونيفيل".

ويعكس الحراك الفرنسي تحولاً في المقاربة الغربية تجاه لبنان. فبعدما كان الاهتمام الدولي يتركز على إدارة الأزمات ومنع انفجارها، بات الهدف اليوم بناء ترتيبات أمنية وسياسية دائمة تعيد إلى الدولة اللبنانية دورها المركزي، وتفتح الباب أمام إعادة الإعمار واستعادة الثقة الدولية.

ويبقى نجاح هذه الرؤية رهناً بقدرة الحكومة اللبنانية على استثمار الدعم الدولي، وبمدى استعداد القوى السياسية اللبنانية للانتقال من منطق توازنات السلاح إلى منطق احتكار الدولة للقرارين الأمني والعسكري. فمفاوضات روما لا تبحث فقط في تنفيذ اتفاق أمني، بل قد ترسم ملامح العقد السياسي والأمني الجديد في لبنان، وتحدد شكل العلاقة بين الدولة ومحيطها الإقليمي والدولي في السنوات المقبلة.