المصدر: النهار
الثلاثاء 13 كانون الثاني 2026 14:54:19
يواجه النظام الإيراني واحدة من أخطر مراحله منذ قيام الجمهورية الإسلامية، بعد أن كسرت الحرب الأخيرة صورته كقوة منيعة. فمع تصاعد الاحتجاجات وسقوط قتلى، تتقاطع الأزمات الاقتصادية والسياسية والعزلة الدولية لتضع السلطة الايرانية أمام اختبار وجودي غير مسبوق.
حطّمت الحرب، التي استمرت 12 يوماً بين إيران وإسرائيل والولايات المتحدة في حزيران/يونيو الماضي، صورة النظام الإيراني كقوة لا تُقهر. وبحسب "وول ستريت جورنال"، ساعدت تداعيات هذه الأحداث في تأجيج موجة الاحتجاجات على مدى الأسبوعين الماضيين، والتي أسفرت عن مقتل ما لا يقلّ عن 500 شخص في محاولة من الجمهورية الإسلامية لاستعادة السيطرة.
ويرى كثيرون أن النظام يواجه اليوم وضعاً أضعف من أزماته السابقة. تاريخياً، تأسس حكم آيات الله على مفهوم نشأ بعد حرب الثماني سنوات مع العراق، يقوم على قبول الإيرانيين بالتضحيات مقابل دولة قوية تحميهم من التهديدات الخارجية. لكن ذلك قد انهار بعد حرب إقليمية اندلعت عقب "طوفان الأقصى" في 2023.
وتؤكد وكالة "أ ب" أن الأزمة تفاقمت في إيران بعد حرب حزيران والغارات الأميركية على المنشآت النووية، ما أضعف الجيش والقيادة، وأدى إلى مقتل عدد من القادة وتدمير الدفاعات الجوية. وزاد الغموض مع اختفاء المرشد الأعلى علي خامنئي موقتاً وغياب خليفة واضح له، بينما يملك الرئيس الإصلاحي مسعود بزشكيان صلاحيات محدودة لإجراء إصلاحات جوهرية.
إقليمياً ودولياً، تعاني إيران عزلة متزايدة بعد إضعاف حلفائها الإقليميين كـ"حماس" و"حزب الله"، فضلاً عن سقوط نظام الأسد في سوريا، وانشغال روسيا بحرب أوكرانيا، فيما تراقب الصين بحذر. أعادت الأمم المتحدة فرض عقوبات قاسية، ما فاقم أزمة اقتصادية خانقة تسببت بانهيار الريال وارتفاع الأسعار، ما أشعل الاحتجاجات الواسعة التي تحولت إلى تحدٍ مباشر للنظام.
وأشارت شبكة "سي ان ان" إلى أن النظام الإيراني يواجه واحدة من أكثر مراحله اضطراباً، إذ لجأ إلى حملة قمع واسعة في محاولة للبقاء، بالتزامن مع تصعيد الرئيس الأميركي دونالد ترامب لضغوطه السياسية والعسكرية.
تم اعتقال الآلاف وقتل المئات عندما قامت قوات الأمن بقمع الاحتجاجات بعنف، وفقاً لتقرير منظمة نشطاء حقوق الإنسان في إيران. وفرضت إيران حجباً واسعاً للإنترنت والهواتف خلال الاحتجاجات، مما حد من الرؤية للوضع على الأرض. وخلصت الشبكة إلى أنه لم يتبق للنظام سوى خيارات قليلة؛ لذا فهو يبذل جهوداً لتعزيز وضعه.
عبّر ترامب علناً عن دعمه للاحتجاجات، ولوّح بخيارات "قوية جداً"، ما يضع طهران أمام معادلة صعبة بين قمع الشارع وخطر ردّ أميركي محتمل. ورغم تحذيرات محللين من أن التدخل العسكري قد يكون محدود الأثر، فإن النظام يرى أن السيطرة على الشارع مسألة بقاء.
ورغم تهديدات ترامب، لا توجد مؤشرات على تدخل عسكري أميركي وشيك، ولا تظهر حتى الآن انقسامات كبرى داخل السلطة، ما يبقي مستقبل النظام مفتوحاً على سيناريوات غير محسومة.
وأثار اعتقال الجيش الأميركي للرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو تساؤلات لدى إيرانيين حيال احتمال تكرار السيناريو مع قيادتهم، إلا أن مشرّعين أميركيين سارعوا إلى تهدئة هذه التوقعات. وأكد خبراء أن هدف ترامب الأساسي هو تغيير سلوك النظام الإيراني لا إسقاطه.
في الداخل، لا تظهر انقسامات كبيرة داخل السلطة، ولا منافسون بارزون، فيما تبقى المعارضة في الخارج منقسمة، رغم بروز دعم محدود لرضا بهلوي.
دولياً، تشجع واشنطن الاحتجاجات، بينما يخشى جيران إيران من انهيار داخلي أو حرب أهلية شبيهة بسوريا، خصوصاً مع تنامي توترات الأقليات.
تقف إيران عند مفترق حاسم بين القمع والاستجابة للتغيير. فمع تآكل الردع الخارجي وتصاعد الغضب الداخلي، تبدو قدرة النظام على الصمود مرهونة بتوازن دقيق، فيما تبقى كل السيناريوات مفتوحة على مستقبل شديد الاضطراب.