بعد معركة علي الطاهر لا يجوز أن يبقى ما كان قبلها..

ما أصاب الجنوب اللبناني في هذه الحرب يتجاوز حدود الوصف التقليدي للدمار. فالمشهد الممتد من القرى الحدودية إلى النبطية وإقليم التفاح يستحضر، في بشاعته الإنسانية والعمرانية، صور المدن المنكوبة بعد أكثر الحروب تدميراً، حتى بدت بعض البلدات وكأنها تعرّضت لمحوٍ منهجيّ لا لقصف عسكري عابر. بيوت سُوّيت بالأرض، أحياء اختفت معالمها، طرق قُطعت، حقول أُحرقت، وأشجار زيتون معمّرة اقتُلعت، فيما تحوّل عشرات الآلاف من أهلنا في الجنوب إلى نازحين ينتظرون ساعة العودة إلى ركام منازلهم.

لم يكن أحد يتوقع، عشية اندلاع الجولة الأخيرة في شباط الماضي، أن تبلغ الحرب هذا المستوى من الوحشية والاتساع. فقد تجاوزت نتائجها أكثر السيناريوهات تشاؤماً، ولم تعد المأساة محصورة بالخسائر العسكرية أو بالقرى المواجهة، بل أصبحت كارثة وطنية شاملة. أكثر من مليون لبناني اضطروا إلى النزوح خلال ذروة القتال، ولا يزال مئات الآلاف بعيدين عن بلداتهم، فيما تضررت مئات المدارس، وتعطّل تعليم أعداد كبيرة من التلامذة، وفق تقديرات المنظمات الدولية.

والأخطر أن تدمير الجنوب لم يستهدف الحجر وحده، بل ضرب مقومات الحياة والاستمرار. فالزراعة، التي تشكل مصدر الرزق الأساسي لآلاف العائلات، أصيبت في الصميم، بعدما طاول القصف والتجريف البساتين والحقول وشبكات الري والمنشآت الزراعية. كما أن تدمير المنازل والبنى التحتية والمرافق الصحية ومحطات المياه والكهرباء جعل العودة إلى كثير من القرى متعذِّرة، حتى لو توقفت الغارات غداً. نحن أمام محاولة لفرض منطقة خالية من السكان، وتحويل النزوح المؤقت إلى تهجير طويل الأمد، بما يحمله ذلك من مخاطر اجتماعية وديموغرافية ووطنية.

لكن مأساة الجنوب لا يمكن فصلها عن الضربات العسكرية واللوجستية القاسية التي تلقاها حزب الله في حربين متتاليتين. فقد استُنزفت قدراته البشرية والعسكرية، واستُهدفت قياداته ومخازنه وخطوط إمداده ومنشآته، وتقلّصت هوامش حركته الميدانية. غير أن الثمن الأكبر لم يدفعه المقاتلون وحدهم، بل دفعته البيئة الجنوبية بأكملها: شهداء وجرحى ومفقودون، عائلات مشتتة، قرى مهدمة، ومجتمع بات يعيش بين قلق العودة ومذلة النزوح.

وجاءت النهاية الدراماتيكية لحصار مرتفعات علي الطاهر لتختصر مأزق هذه الحرب. فبعد أشهر من القصف والمواجهات والحصار، انتهى الأمر بإخلاء الموقع من العناصر المقاتلة في ظل المساعي الأميركية، لكن إسرائيل لم تكتفِ بانتهاء الوجود العسكري فيه، بل أمعنت في قصفه وتفجيره وتدميره، وأعلنت السيطرة العسكرية عليه، في خطوة تُظهر أن هدفها لم يكن إزالة خطر آني فحسب، بل تغيير الواقع العسكري والجغرافي، وفرض حزام أمني داخل الأراضي اللبنانية. ولا تزال حقيقة ما جرى في المرتفعات غير واضحة، وموضع روايات متناقضة بين الاحتلال والحزب.

وبمعزل عن تلك الروايات، يمكن القول أن الإحتلال إستطاع أن يحقق الفصل العسكري والديبلوماسي بين الجبهتين اللبنانية والإيرانية، من خلال الإستمرار في معركة علي الطاهر، رغم التصريحات الإيرانية المهدِّدة بالتدخل العسكري المباشر ضد الكيان الصهيوني، ولكن المعركة إنتهت، ولم تصل رصاصة واحدة من طهران إلى تل أبيب.

إسرائيل تتحمَّل، بالتأكيد، المسؤولية المباشرة عن هذا الدمار الهائل، وعن استخدام تفوقها العسكري لإفراغ الأرض، ومعاقبة المدنيين وتدمير شروط عودتهم. لكن تحميل العدو مسؤوليته لا يُعفي اللبنانيين من طرح السؤال الأصعب: من امتلك قرار فتح الجبهة؟ ومن قدَّر النتائج؟ ومن أعطى حزباً، مهما كانت قوته أو تضحياته، حق إدخال بلد كامل في حرب إقليمية، من دون قرار الحكومة والمؤسسات الدستورية؟

لقد كشفت الحرب، مرة أخرى، استحالة استمرار ازدواجية الدولة والسلاح، وخطورة ربط مصير لبنان بحسابات المحاور وصراعاتها. كما أثبتت أن القوة العسكرية، حين تنفصل عن القرار الوطني الجامع، قد تتحول من وسيلة دفاع، إلى ذريعة يستغلها العدو لتدمير البلاد، واحتلال أرضها وفرض شروطه عليها.

أما الدرس الأكبر، فهو أن لبنان، الدولة والشعب، لم تكن له سلطة إشعال هذه المعركة، ولا القدرة على وقفها. وهذه معادلة لا يجوز أن تتكرر. فإعمار الجنوب لا يبدأ بالإسمنت وحده، بل بإعادة القرار إلى الدولة، وتمكين الجيش، وتثبيت حصرية السلاح، واعتماد الدبلوماسية لتحرير الأرض واستعادة الأسرى، كما حصل الأسبوع الماضي بعودة خمسة من الأسرى إلى أرض الوطن نتيجة الجهود الديبلوماسية.

بعد معركة علي الطاهر لا يجوز أن يبقى ما كان قبلها..، وإلاّ نُعيد بناء البيوت والبلدات، لكننا نترك أبواب الحرب مفتوحة لهدمها مرة أخرى..