المصدر: النهار
الأربعاء 2 أيلول 2026 23:54:28
بعد نحو عقدين على مقتل اللواء السوري محمد سليمان في منزله الصيفي قرب طرطوس، تبدو الرواية التي نسبت اغتياله إلى إسرائيل أكثر تماسكا من أي وقت مضى، بعدما اجتمعت رواية مسؤول إسرائيلي رفيع سابق مع وثائق استخباراتية أميركية مسربة لتقدم تفاصيل عن عملية جرى تنفيذها في هدوء على الساحل السوري.
كان سليمان من أكثر الشخصيات غموضا وحساسية داخل الدائرة الضيقة المحيطة بالرئيس السوري السابق بشار الأسد. فقد تولى ملفات تتصل بالأسلحة الاستراتيجية والمشتريات العسكرية والعمليات الأمنية، كما ارتبط اسمه بالعلاقات مع حزب الله وبقنوات نقل الأسلحة الإيرانية عبر الأراضي السورية إلى لبنان.
عملية خاطفة على ساحل طرطوس
في ليلة الأول من آب/ أغسطس 2008، كان سليمان يتناول العشاء مع عدد من ضيوفه في منزله الصيفي بمنطقة الرمال الذهبية، حين تعرض لإطلاق نار أدى إلى مقتله.
وبحسب التفاصيل التي أوردها رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق إيهود أولمرت في مذكراته، وصلت قوة كوماندوز بحرية إسرائيلية إلى المنطقة ليلا، ثم اقترب أفرادها من المنزل من جهة البحر، واتخذوا مواقع تسمح لهم بمراقبة الشرفة التي كان يجلس فيها سليمان.
ويقول أولمرت إن عناصر القوة تمركزوا على جانبي الشرفة على مسافة تقارب 150 مترا، وتمكنوا من تحديد سليمان بين الموجودين في المكان. وبعد صدور الأمر، أطلقت القوة ثلاث رصاصات أصابته في مؤخرة الرأس، قبل أن تنسحب مباشرة إلى الساحل وتعود إلى القارب الذي كان ينتظرها.
وتشير هذه الرواية إلى أن العملية لم تكن تستهدف شخصا بصورة عشوائية، بل نفذت بعد التأكد من هوية الهدف ومراقبته من مسافة بعيدة، وهو ما يفسر طبيعة الضربة السريعة التي لم تتبعها مواجهة مسلحة.
وثائق سنودن تعزز الرواية الإسرائيلية
لم تكن مذكرات أولمرت المصدر الوحيد الذي ربط إسرائيل بالعملية. ففي عام 2015، نشرت صحيفة "ذا إنترسبت" تفاصيل مستندة إلى وثائق سرية من وكالة الأمن القومي الأميركية سربها إدوارد سنودن، وتضمنت إشارة مباشرة إلى وحدة الكوماندوز البحري الإسرائيلي "شاييتت 13" بوصفها الجهة التي نفذت الاغتيال.
وتكتسب هذه الوثائق أهمية خاصة لأنها قدمت، إلى جانب الرواية الإسرائيلية اللاحقة، دعما استخباراتيا للرواية التي ظلت لسنوات موضع تكهنات. كما أشارت المعلومات المسربة إلى أن العملية مثلت، بحسب ما ورد في الوثائق، حالة مبكرة ومعروفة لاستهداف مسؤول حكومي سوري بهذا المستوى داخل الأراضي السورية.
لماذا كان سليمان هدفا حساسا؟
لم يكن موقع سليمان داخل النظام السوري هو العامل الوحيد الذي جعله شخصية ذات أهمية بالنسبة إلى إسرائيل. فقد ارتبط اسمه بواحد من أكثر الملفات حساسية في المنطقة، وهو البرنامج النووي السوري الذي تعرضت منشأة مرتبطة به في دير الزور لغارة إسرائيلية عام 2007.
ووفقا لما نشرته "نيويوركر" في وقت سابق، كان مسؤولون إسرائيليون يعتقدون أن سليمان من بين عدد محدود جدا من الشخصيات السورية التي تعرف بوجود المنشأة وطبيعة النشاط المرتبط بها.
كما ارتبط اسمه بإدارة شبكة سرية داخل النظام، وبملفات التعاون العسكري مع إيران وحزب الله، بما في ذلك عمليات نقل الأسلحة الإيرانية إلى لبنان.
وتشير وثائق أميركية مسربة بدورها إلى أن سليمان كان مستشارا خاصا للأسد في قضايا الأسلحة الاستراتيجية والعمليات العسكرية الحساسة، إضافة إلى الملف اللبناني والعلاقات مع حزب الله.
غموض رسمي وتساؤلات
في الساعات والأيام الأولى التي أعقبت مقتله، لم تقدم دمشق رواية رسمية حاسمة بشأن الجهة التي تقف وراء العملية، كما فرضت قيودا على التغطية الإعلامية، ولم تظهر تفاصيل واضحة عن شخصية القتيل في التقارير الأولى.
وفي وقت لاحق، كشفت برقية ديبلوماسية أميركية مسربة ونشرتها "ويكيليكس" أن الأجهزة الأمنية السورية كانت ترى في إسرائيل الاحتمال الأبرز. وكان الموقع الجغرافي لمنزل سليمان على الساحل من العناصر التي عززت هذا الاعتقاد، إذ يتيح تنفيذ عملية بحرية ثم الانسحاب بالطريقة نفسها.
كما رأت البرقية أن استخدام قناص في العملية يحمل دلالة مهمة، لأنه يفترض معرفة مسبقة بهوية الهدف والقدرة على تمييزه عن الأشخاص الموجودين بالقرب منه.
فرضية التصفية الداخلية
رغم ذلك، لم تكن إسرائيل الاحتمال الوحيد الذي طُرح آنذاك. فقد ظهرت فرضيات أخرى تتحدث عن صراع داخل أجنحة النظام السوري، خصوصا مع وجود تنافس وخلافات بين شخصيات أمنية وعسكرية نافذة.
ونقلت صحيفة "الغارديان" في عام 2008 عن مصادر أن سليمان ربما كان ضحية لصراع داخلي، في ظل التوترات التي كانت قائمة آنذاك بين بشار الأسد ورئيس جهاز المخابرات العسكرية آصف شوكت.
وظلت هذه الفرضية حاضرة في النقاش حول القضية، إلى أن جاءت الوثائق الأميركية التي ظهرت عام 2015 لتمنح وزنا أكبر للرواية التي تتهم إسرائيل، بعدما تضمنت معلومات تربط العملية بعناصر "شاييتت 13".
صلة محتملة بضربة دير الزور
ويكتسب توقيت الاغتيال أهمية إضافية، إذ وقع بعد أقل من عام على الغارة الإسرائيلية التي دمرت المنشأة النووية السورية في دير الزور عام 2007، وهي العملية التي لم تعلن إسرائيل مسؤوليتها عنها رسميا في ذلك الوقت.
وبحسب تقييمات بحثية أميركية، كان سليمان مرتبطا بالبرنامج النووي السوري وبإدارته، ولذلك برزت فرضية أن اغتياله قد يكون جزءا من الجهود الرامية إلى منع سوريا من إعادة بناء قدراتها في هذا المجال، أو على الأقل إبعاد أحد أبرز الأشخاص الذين امتلكوا معرفة بتفاصيل المشروع.
وهكذا، لا تبدو حادثة اغتيال سليمان منفصلة عن سلسلة الملفات التي جعلت سوريا في تلك المرحلة موضع اهتمام أمني إسرائيلي، من البرنامج النووي إلى التعاون العسكري مع إيران وحزب الله.
عملية بقيت بلا اعتراف رسمي
تكشف المعطيات التي ظهرت تباعا عن عملية شديدة التعقيد نفذت في بيئة ساحلية يفترض أنها تخضع لمراقبة أمنية، لكنها انتهت خلال دقائق ومن دون اشتباك معلن أو تبن رسمي.
وبحسب رواية أولمرت والوثائق الاستخباراتية التي ظهرت لاحقا، اقترب عناصر كوماندوز بحريا من منزل مسؤول سوري رفيع، حددوا هدفهم من بين ضيوفه، أطلقوا النار عليه من مسافة، ثم غادروا المكان بالطريقة نفسها التي وصلوا بها.
ومع مرور 18 عاما، أصبحت الرواية التي تنسب الاغتيال إلى إسرائيل تستند إلى أكثر من مجرد اتهامات أو تقديرات إعلامية، إذ تضاف إليها شهادة أولمرت ووثائق وكالة الأمن القومي الأميركية المسربة. ومع ذلك، بقيت إسرائيل رسميا على مدى سنوات تتجنب إعلان مسؤوليتها عن العملية، لتظل قضية محمد سليمان واحدة من أبرز عمليات الاغتيال الغامضة التي وقعت داخل سوريا خلال عهد بشار الأسد.