المصدر: Kataeb.org
الكاتب: فرنسوا الجردي
الثلاثاء 2 حزيران 2026 15:34:58
مع اقتراب موعد الامتحانات الرسمية في لبنان، وفي ظل التصعيد الأمني والعسكري المستمر في الجنوب والبقاع، واستمرار التهديدات الإسرائيلية التي باتت تطال مناطق واسعة من الأراضي اللبنانية وصولاً إلى محيط العاصمة بيروت، يزداد القلق لدى الطلاب والأهالي والأساتذة حول إمكانية إجراء الامتحانات الرسمية في ظروف تضمن الحد الأدنى من الأمان والاستقرار.
ومن هنا، نتوجه بنداء وطني وتربوي إلى وزيرة التربية والتعليم العالي الدكتورة ريما كرامي، والمديرة العامة للتعليم المهني والتقني الدكتورة هنادي بري، وسائر المسؤولين التربويين في الوزارة، لإعادة تقييم واقع الامتحانات الرسمية المهنية والتقنية لهذا العام، انطلاقاً من مبدأ أساسي لا يجوز التفريط به: سلامة الطلاب والأساتذة والعاملين في القطاع التربوي فوق كل اعتبار.
فالامتحانات الرسمية في التعليم المهني والتقني لا تشبه غيرها من الامتحانات. إذ يضم هذا القطاع ما يقارب مئة وعشرين اختصاصاً موزعة على مختلف الشهادات والمراحل التعليمية، وتتطلب امتحاناته فترات طويلة تشمل اختبارات تطبيقية وعملية ونظرية، ما يستوجب تنقل آلاف الطلاب والأساتذة والمراقبين وأعضاء اللجان الفاحصة بين المناطق اللبنانية يومياً وعلى مدى أسابيع متتالية.
وفي ظل الظروف الأمنية الراهنة، لا يمكن لأي جهة أن تقدم ضمانات حقيقية بعدم حصول تطورات ميدانية أو أمنية مفاجئة خلال فترة الامتحانات. كما لا يمكن تجاهل الأعباء النفسية الكبيرة التي يعيشها الطلاب وأسرهم في ظل أجواء الحرب والتهديد وعدم الاستقرار.
إن جوهر الامتحانات الرسمية يتمثل في قياس الكفايات العلمية والعملية للطلاب ضمن ظروف عادلة ومتساوية. أما عندما تصبح هذه الظروف مفقودة أو مهددة، فإن المسؤولية الوطنية والتربوية تفرض البحث عن حلول استثنائية تتناسب مع طبيعة المرحلة الاستثنائية التي يمر بها لبنان.
ومن هذا المنطلق، ندعو وزارة التربية إلى دراسة جميع الخيارات المتاحة بعيداً عن أي اعتبارات شكلية أو إدارية، ومن بينها:
أولاً: تأجيل الامتحانات الرسمية إلى موعد لاحق إذا تبيّن أن الظروف الأمنية لا تسمح بإجرائها بصورة آمنة وعادلة لجميع المرشحين.
ثانياً: اعتماد آلية تقييم استثنائية بديلة تستند إلى العلامات المدرسية والاختبارات التطبيقية والتدريبية التي أنجزها الطلاب خلال العام الدراسي، بما يحفظ حقوقهم الأكاديمية ويصون صدقية الشهادات.
ثالثاً: دراسة خيار إلغاء الامتحانات الرسمية لهذا العام بصورة استثنائية إذا ثبت استحالة تأمين الظروف الأمنية واللوجستية والنفسية الملائمة لإجرائها، على أن يتم اعتماد آلية قانونية وتربوية واضحة لمنح الشهادات استناداً إلى نتائج السنة الدراسية والتقييمات المستمرة، كما حصل في العديد من الدول والظروف الاستثنائية التي فرضتها الحروب أو الكوارث أو الأزمات الكبرى.
إن طرح خيار الإلغاء ليس دعوة إلى التهاون أو التفريط بمستوى الشهادات، بل هو خيار استثنائي يُبحث عند تعذر تطبيق الخيارات الأخرى وعندما تصبح حماية حياة الطلاب والأساتذة أولوية تتقدم على كل ما عداها. فالهدف من الامتحانات هو خدمة العملية التعليمية، وليس تعريض المتعلمين للمخاطر أو تحميلهم أعباء تفوق قدرتهم على التحمل.
لقد أثبت اللبنانيون عبر العقود قدرتهم على مواجهة الأزمات، لكن الحكمة تقتضي أيضاً الاعتراف بخصوصية الظروف الحالية واتخاذ القرارات المناسبة لها. فالإصرار على إجراء الامتحانات في ظل بيئة غير مستقرة قد يؤدي إلى نتائج تربوية وإنسانية لا يرغب بها أحد.
إن آلاف الطلاب والأهالي والأساتذة ينتظرون من وزارة التربية قراراً شجاعاً ومسؤولاً يوازن بين حق الطلاب في الحصول على شهاداتهم وحقهم الطبيعي في الأمان. فالشهادة يمكن تعويضها بوسائل قانونية وتربوية متعددة، والامتحان يمكن تأجيله أو استبداله بآليات استثنائية، أما حياة الطلاب والأساتذة والعاملين في القطاع التربوي فلا يمكن تعويضها أبداً.
إنها صرخة مسؤولية وطنية قبل أن تكون مطلباً تربوياً: ضعوا سلامة الإنسان أولاً، وأعيدوا النظر بكل الخيارات، بما فيها خيار إلغاء الامتحانات الرسمية بصورة استثنائية إذا اقتضت الضرورة، حفاظاً على الطلاب ومستقبلهم وأمنهم في هذه المرحلة الدقيقة التي يمر بها لبنان.