بين روسيا وباكستان.. حزب الله يكثف تحركاته لإقحام لبنان بصفقة محتملة مع إيران

كشف مصدر سياسي لبناني مطلع لـ"إرم نيوز" أن حزب الله كثف خلال الأسابيع الأخيرة اتصالاته السياسية والأمنية مع إيران وروسيا وباكستان، في محاولة لمنع فصل الملف اللبناني عن مسار التفاوض الإقليمي الأوسع بين طهران وواشنطن، بالتزامن مع إعادة تنظيم قنوات تواصله الداخلية مع الرئاسات اللبنانية الثلاث. 

ما بين إسلام آباد وموسكو

يقول المصدر المطلع على تفاصيل التحركات الأخيرة للحزب، إن القيادي في حزب الله عبد الله صفي الدين المقيم دائماً في إيران، شارك بالفعل في الجولة الأولى التي عقدت بين الإيرانيين والأمريكيين، فيما يكشف المصدر أن وفداً من حزب الله قد زار إيران وروسيا وباكستان خلال الفترة القريبة الماضية. وكان هدف هذه الجولة هو البحث في كل الصيغ المطروحة لوقف الحرب في المنطقة، ومحاولة إبقاء لبنان جزءًا من المفاوضات الأمريكية - الإيرانية التي تستضيفها إسلام آباد.

في السياق نفسه، يؤكد المصدر أن حزب الله أعاد خلال الأسابيع الماضية تفعيل قنواته مع موسكو، مستفيداً من المكتب التمثيلي الذي افتتحه قبل سنوات في العاصمة الروسية، والذي استخدم سابقاً كمنصة اتصال سياسية وإعلامية مع دوائر روسية معنية بالملف السوري والإقليمي.

ورغم الغموض الذي يحيط بالبنية التنظيمية للمكتب، تشير معلومات متقاطعة إلى أن مسؤولين من وحدة العلاقات الخارجية في الحزب يشرفون على تنسيق العمل فيه، بالتعاون مع شخصيات لبنانية ووسطاء مقربين من موسكو. ويلفت المصدر إلى أن دور المكتب توسع بعد الحرب الأخيرة، ليشمل نقل رسائل سياسية مرتبطة بمستقبل الجنوب اللبناني والتفاوض الإقليمي.

الحزب يخشى العزل السياسي

وفقًا لمصادر سياسية لبنانية، يخشى حزب الله أن يتحول أي تفاوض مباشر بين الدولة اللبنانية وإسرائيل، برعاية أمريكية، إلى مسار يضع سلاحه ودوره الأمني على الطاولة الدولية، من دون أن يكون ممسكاً فعلياً بمسار التفاوض.

ولهذا يتمسك الحزب بإبقاء لبنان ضمن "السلة الإقليمية" التي تشمل المفاوضات الإيرانية – الأمريكية، ومستقبل النفوذ الإيراني، والحرب في المنطقة، وترتيبات ما بعد التصعيد.

وترى المصادر أن الحزب يعتبر الفصل بين لبنان وإيران تهديداً استراتيجياً مباشراً، لأنه يسحب منه تدريجياً وظيفة "الورقة الإقليمية" التي شكلت أحد أهم عناصر قوته خلال العقود الماضية.

وفي هذا السياق، تشير المعلومات إلى أن الحزب كثف أيضاً اتصالاته مع شخصيات إيرانية مرتبطة بملف التفاوض، للحصول على ضمانات بأن أي اتفاق محتمل بين طهران وواشنطن لن يأتي على حساب وضعه داخل لبنان.

تبديل قنوات الاتصال الداخلية

بالتوازي مع ذلك، أعاد الحزب توزيع قنوات التواصل مع الدولة اللبنانية نفسها، في خطوة تعكس حجم التوتر المتصاعد مع الرئاسة والحكومة.
فبحسب المصدر، تولى النائب حسن فضل الله ملف العلاقة مع رئيس الجمهورية جوزيف عون بدلاً من رئيس كتلة "الوفاء للمقاومة" محمد رعد، فيما كُلف حسين الحاج حسن بمتابعة التواصل مع رئيس الحكومة نواف سلام. أما العلاقة مع رئيس مجلس النواب نبيه بري، فبقيت عبر المعاون السياسي للحزب حسين الخليل، باعتبار أن خط بري لا يزال الأكثر استقراراً بالنسبة للحزب. 

ويشير المصدر إلى أن هذا التغيير لا يرتبط فقط بإعادة تنظيم سياسية، بل أيضاً باعتبارات أمنية متزايدة، خصوصاً مع تنامي مخاوف الحزب من استهداف شخصيات سياسية بارزة فيه بعد اغتيال عدد من قيادات الصف الأول.

ويقول المصدر إن الحزب بات يتعامل مع محمد رعد بوصفه "واجهة سياسية حساسة"، في ظل قناعة داخلية بأن إسرائيل لم تعد تفصل بين الجناحين السياسي والعسكري في بنك أهدافها.

الرئاسة اللبنانية تريد مساراً مختلفاً

لكن خلف هذه التغييرات، يكمن خلاف أعمق حول شكل المرحلة المقبلة في لبنان. فالرئيس جوزيف عون ورئيس الحكومة نواف سلام يدفعان، وفق مصادر لبنانية، باتجاه تثبيت مقاربة تقوم على أن قرار الحرب يجب أن يعود للدولة، والتفاوض يجب أن يتم عبر مؤسسات الدولة، وأي تسوية جنوبية لا يمكن أن تبقى رهينة الحسابات الإيرانية. وهذا ما يثير توتراً متزايداً مع الحزب.

ويرى حزب الله أن أي نجاح للدولة اللبنانية في فرض نفسها كمفاوض وحيد سيؤدي تدريجياً إلى تقليص دوره السياسي والعسكري، وتحويل سلاحه من عنصر قوة إلى ملف تفاوضي داخلي ودولي.

ويضيف المصدر أن الحزب يرفض مسار الدولة الحالي، ويرى أن واشنطن تدعم الرئاسة والحكومة لفرض وقائع سياسية جديدة تحت عنوان "تثبيت الدولة" و"الاستقرار"، بينما الهدف الفعلي هو احتواء الحزب وإبعاده تدريجياً عن القرار الأمني والعسكري. 

لكن المشكلة بالنسبة للحزب أن البيئة اللبنانية نفسها بدأت تتغير. فالدمار الذي خلفته الحرب، والانهيار الاقتصادي، وتراجع قدرة إيران المالية، كلها عوامل تجعل جزءاً كبيراً من الداخل اللبناني؛ بما فيه جزء متزايد من بيئة الحزب، أقل استعداداً لتحمل كلفة استمرار ربط لبنان بالمواجهة الإيرانية المفتوحة.

ومن هنا، يقرأ المصدر أن تفعيل خطوط موسكو وإسلام آباد، وإعادة توزيع قنوات الاتصال الداخلية، هي مؤشر على مرحلة قلق سياسي وأمني غير مسبوقة داخل الحزب وفي طهران بطبيعة الحال. فالحزب يخشى العزل، وطهران تخشى فقدان ورقتها الأقوى إقليميا، أما الدولة اللبنانية فتبدو مصرّة أكثر من أي وقت مضى على استعادة قرارها تدريجياً، فيما يقف لبنان بين مشروعين متناقضين لمستقبله السياسي والأمني.