بين شعبوية ناصر ومنطق السادات: مأزق الحرب والسلام في الشرق الأوسط

في تاريخ الصراع العربي – الإسرائيلي، يبرز اسما جمال عبد الناصر وأنور السادات بوصفهما تجسيدين لنموذجين متناقضين في إدارة الحرب وتعريف السياسة. ولم يعد هذا التناقض مجرد مادة تاريخية، بل تحوّل إلى مفتاح لفهم ما يجري اليوم في المنطقة منذ حرب 7 أكتوبر 2023 وما أعقبها من تصعيد إقليمي مفتوح.

لم يكن عبد الناصر يتعامل مع الصراع مع إسرائيل بوصفه نزاعاً حدودياً قابلاً للحل، بل اعتبره امتداداً لمعركة تحرر تاريخية تشمل الاستعمار والهيمنة الغربية وبناء مشروع قومي عربي. ضمن هذا التصور، تحوّلت الدولة إلى أداة تعبئة شاملة، وأصبح الصراع جزءاً من شرعيتها السياسية. غير أن هذا النهج اصطدم بحدود القوة الفعلية خلال حرب 1967، حيث كشفت الهزيمة فجوة عميقة بين الخطاب التعبوي والقدرة العسكرية. ومع ذلك، لم يؤدِ هذا الانكسار إلى مراجعة جذرية، بل إلى إعادة إنتاج منطق المواجهة عبر حرب الاستنزاف، ما كرّس فكرة الصراع المفتوح طويل الأمد، حتى ولو كان ذلك على حساب الاستنزاف الداخلي للدولة والمجتمع.

على النقيض من ذلك، جاء السادات ليعيد تعريف الحرب نفسها. لم يتخلَّ عن الخيار العسكري، لكنه نزَع عنه طابعه العقائدي، وحوّله إلى أداة سياسية محدودة الأهداف. كانت حرب أكتوبر 1973 في هذا السياق لحظة مفصلية: حرب محسوبة لكسر الجمود، لا لتحقيق نصر شامل. ومن هذا المنطلق، انتقل السادات إلى خيار التسوية عبر اتفاقية كامب ديفيد، مؤسساً لمرحلة جديدة تقوم على استعادة الأرض مقابل الاعتراف والسلام. بهذا المعنى، نقل السادات مركز الثقل من الأيديولوجيا إلى البراغماتية، ومن الصراع المفتوح إلى إدارة الصراع.

غير أن هذا التحول لم يكن مجرد خيار سياسي، بل كان انقلاباً في تعريف الدولة ودورها. ففي حين ربط عبد الناصر شرعية النظام بالمواجهة المستمرة، ربطها السادات بالنتائج الملموسة، ولو جاءت عبر تسويات جزئية. إلا أن هذا الخيار حمل كلفة باهظة على المستوى العربي، حيث بدا وكأنه خروج من الإجماع، وأثار اتهامات بالتخلي عن القضية الفلسطينية لصالح مصلحة وطنية ضيقة.

اليوم، ومع اشتعال الحرب الاقليمية بعد 7 اوكتوبر، يعود هذا التناقض بين النموذجين في صيغة جديدة وأكثر تعقيداً. فالصراع لم يعد محصوراً بين دول، بل دخلت إليه قوى غير دولتيّة مثل حماس وحزب الله، التي تتبنى خطاب المقاومة المستمرة، في امتداد واضح للمنطق الناصري من حيث رفض التسوية الشاملة والإبقاء على الصراع مفتوحاً. إلا أن هذا الامتداد يفتقر إلى عنصر الدولة المركزية، ما يجعل القدرة على تحويل الفعل العسكري إلى إنجاز سياسي محدوداً، بل أحياناً مستحيلاً.

في المقابل، لا يظهر في المشهد الراهن نموذج ساداتي مكتمل. صحيح أن هناك ميلاً لدى بعض الدول العربية نحو التهدئة أو إعادة ترتيب الأولويات، لكن هذا الميل لا يرقى إلى مشروع سياسي شامل يعيد صياغة قواعد الصراع كما فعل السادات. وهنا تكمن المفارقة: البراغماتية موجودة، لكنها مجزأة ومفتقرة إلى الجرأة السياسية، فيما “المقاومة” حاضرة، لكنها عاجزة عن تحقيق حسم استراتيجي.

تكشف الحرب الحالية، كما في تجارب سابقة، حدود القوة العسكرية عندما تنفصل عن أفق سياسي واضح. فالهجمات الصادمة قد تغيّر قواعد الاشتباك مؤقتاً، لكنها لا تُنتج بالضرورة واقعاً سياسياً جديداً. وهذا يعيدنا، بشكل أو بآخر، إلى مأزق عبد الناصر بعد 1967، حيث لم يتحول الفعل العسكري إلى مكسب استراتيجي دائم. وفي الوقت نفسه، هناك فرصة او نافذة مفتوحة لتكرار تجربة السادات في الانتقال الجذري نحو التسوية النهائية، لحماية الداخل والحفاظ على الدولة.

هكذا، يبدو أن المنطقة عالقة بين نموذجين: نموذج ناصري مُعاد إنتاجه بصيغة غير دولتيّة، يحافظ على منطق الصراع المفتوح دون أفق سياسي، ونموذج ساداتي ناقص، يلوّح بالتسوية دون أن يمتلك شروطها أو شرعيتها. وبين هذين الحدّين، تتكرّس حالة من “اللاحسم”، حيث لا حرب قادرة على إنهاء الصراع، ولا سلام قادر على تثبيته.