المصدر: نداء الوطن
الكاتب: باتريسيا جلاد
السبت 13 حزيران 2026 07:40:06
في الأزمات الكبرى، تبادر الدول عادةً إلى دعم القطاع الخاص باعتباره ركيزة الإنتاج والاستقرار الاقتصادي والاجتماعي. غير أن الواقع في لبنان يختلف، إذ تواجه الدولة أزمة مالية حادة بعدما فقدت نحو 50% من إيراداتها بسبب الحرب. إلا أن مؤسسات القطاع الخاص، التي أعادت النظر في نفقاتها، تجد نفسها أمام استحالة الصمود مع مرور ثلاثة أشهر ونصف على اندلاع الحرب، ما جعلها ترفع الصوت مطالبةً بدعمها من خلال تأجيل تسديد استحقاقاتها الضريبية. فما هي تلك الاستحقاقات؟
منذ اندلاع الحرب، انقسمت المؤسسات الخاصة إلى فئات: منها ما أقفل أبوابه نهائياً بسبب تضرره، ومنها ما أقفل موقتاً لتواجده في المناطق التي تتعرض للاعتداءات، وأخرى صغّرت حجم أعمالها وإنتاجيتها بسبب تراجع الصادرات والاستهلاك المحلي مع انخفاض القدرة الشرائية.
وبما أنه لا بوادر لانتهاء الحرب على المدى القصير، خصوصاً على الصعيد السياحي، تجد القطاعات الإنتاجية والخدماتية نفسها أمام استحالة الصمود، بل يتمّ تسجيل صرف المزيد من الموظفين وحتى الإقفال، في ظلّ المدفوعات المترتبة عليها من دون مردود، ومن دون تلقي دعم من الدولة.
حول تلك الأعباء، أكد رئيس جمعية الضرائب اللبنانية هشام المكمّل لـ"نداء الوطن" أنه "بات من الضروري اتخاذ إجراءات عاجلة واستثنائية لدعم المؤسسات والشركات وتمكينها من الاستمرار في ممارسة أعمالها والحفاظ على موظفيها. وتكمن هذه الإجراءات في تمديد المهل الضريبية وإعطاء المكلفين مهلة إضافية لتسديد الضرائب والرسوم واشتراكات الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، مع تعليق الغرامات والفوائد المترتبة خلال هذه الفترة الاستثنائية".
واعتبر أن "هذه الخطوات تشكل الحد الأدنى من الدعم الذي يمكن أن تقدمه الحكومة والوزارات والإدارات المعنية لمساندة القطاع الخاص في مواجهة التحديات الراهنة"، داعياً مجلس النواب إلى "ضرورة إقرار قانون تعليق المهل المدرج على جدول الجلسة العامة التي كان من المفترض أن تُعقد قبل عيد الأضحى، وتم تأجيلها بسبب قانون العفو العام".
تدابير تحفيزية وتسهيلات
تبرز أيضاً، بحسب المكمّل، "ضرورة إقرار حزمة من التدابير التحفيزية والاستثنائية، مثل إعفاءات ضريبية خاصة للمؤسسات والشركات التي تعرضت لأضرار مباشرة نتيجة العدوان الإسرائيلي، إضافة إلى منح تخفيضات وتسهيلات للقطاعات التي تضررت بصورة غير مباشرة، وفي مقدمتها القطاع السياحي والفندقي وقطاع المطاعم والخدمات، نظراً إلى التراجع الحاد في الحركة السياحية وانعكاس ذلك على الإيرادات وفرص العمل والاستثمارات".
وإن كانت تلك التدابير من شأنها أن تؤجّل أو تخفّض إيرادات الدولة، إلا أن دعم القطاع الخاص، كما يرى المكمّل في هذه المرحلة، لا يشكل عبئاً على الاقتصاد الوطني. كيف؟ يعتبر المكمّل أن "دعم المؤسسات للاستمرار في مزاولة عملها يمثل استثماراً ضرورياً للحفاظ على استمرارية المؤسسات ومنع المزيد من الإقفالات وخسارة الوظائف، الأمر الذي يساهم في حماية القاعدة الضريبية وتأمين استدامة الإيرادات العامة على المدى المتوسط والبعيد.
مقاربة استثنائية متوازنة
رغم أن هذه الإجراءات ستنعكس حتماً على موارد الخزينة العامة، التي تواجه أصلاً ضغوطاً متزايدة بين تراجع الإيرادات وارتفاع الالتزامات، لا سيما لناحية نفقات الدولة ورواتب القطاع العام، إلا أن الظروف الاستثنائية تستدعي مقاربة استثنائية ومتوازنة تراعي متطلبات الصمود الاقتصادي والاجتماعي.
علماً أن الضريبة على الدخل المقدّر تحصيلها خلال العام 2026، وفقاً لقانون الموازنة العامة للعام 2026، تبلغ 644 مليون دولار، وتشكل ما يقارب 11% من الإيرادات العامة.
يأتي ذلك في ظل وفر مالي كان قد تحقق في العام 2025، أعلن عنه سابقاً وزير المالية ياسين جابر، وتم الإبقاء عليه من دون استخدام تحسباً لأي ظروف طارئة قد تواجه لبنان. وحول هذا الوفر، قال المكمّل: "إن المرحلة الحالية تستوجب توظيف جزء من هذا الهامش المالي لدعم الاقتصاد الوطني والمؤسسات المنتجة وتمكينها من تجاوز هذه الأزمة بأقل الخسائر".
نقف اليوم إذاً أمام معادلة دقيقة، بين حماية ما تبقّى من القطاع الخاص والحفاظ على حدّ أدنى من استقرار المالية العامة. وبين ضغط الإيرادات المتراجعة وتفاقم الأعباء على المؤسسات، تبرز الحاجة إلى مقاربة استثنائية تتجاوز الحلول التقليدية. فاستمرار القطاع الخاص على المدى المنظور لم يعد تفصيلاً اقتصادياً، بل شرطاً أساسياً لمنع مزيد من التدهور الاجتماعي والوظيفي، في مرحلة تتطلب قرارات سريعة ومتوازنة تحدّ من الخسائر وتؤسس لمرحلة تعافٍ ممكنة.