المصدر: نداء الوطن
الكاتب: أنطوان فرح
الثلاثاء 14 نيسان 2026 07:33:27
قد يكون لبنان خسر فرصة مهمّة لتحسين وتحصين موقعه السياسي في المعادلة الإقليمية، قبيل بدء المفاوضات المباشرة مع إسرائيل، من خلال اضطرار رئيس الحكومة نواف سلام إلى إرجاء زيارته المقرّرة إلى واشنطن. لكن، وفي الموازاة، خسر البلد فرصة اقتصادية ومالية قد لا تقلّ أهمية. وكان يُفترض أن يقوم رئيس مجلس الوزراء اللبناني بسلسلة لقاءات تشمل مسؤولين أميركيين ودوليين، في توقيت حسّاس يواكب اجتماعات الربيع للبنك الدولي وصندوق النقد.
في الواقع، كانت هناك حاجة لإنجاز هذه الزيارة، لدعم موقف لبنان في قضيتين أساسيتين:
أولًا- تأمين دعم أميركي مباشر لمساعدة الحكومة في مفاوضاتها المستمرّة مع صندوق النقد، والذي لا يزال يبدي تعنتًا حيال مسألة تراتبية المسؤوليات، وهي مسألة حيويّة، لأن كلّ التفاصيل الأخرى تبدو هامشية إذا لم يتمّ حلّ هذه العقدة، لتسهيل تنفيذ خطة إعادة الودائع بالمشاركة بين الدولة ومصرفها المركزي والمصارف.
ثانيًا- تسهيل الاتفاق مع البنك الدولي لإدراج لبنان على لائحة الدول التي ستحظى بمساعدات مالية لمواجهة تداعيات الحرب الأميركية الإيرانية. وقد صار واضحًا أن البنك الدولي يعدّ العدّة لدعم اقتصاديات الدول الهشة لمواجهة انعكاسات الحرب. وانطلاقًا من هذه البرامج، تستطيع بيروت المطالبة بدعم تمويل استيراد الفيول لمؤسسة الكهرباء. بالإضافة إلى توسيع برامج دعم مالي للفئات الأكثر هشاشة. وتخصيص مبالغ لدعم استيراد القمح، ومواد غذائية أساسية.
وبالمناسبة، يمكن الاستناد إلى تصريح مديرة برنامج الأغذية العالمي في لبنان أليسون أومان، والتي حذّرت من أن «ما نشهده ليس مجرّد أزمة نزوح، بل يتحوّل بسرعة إلى أزمة أمن غذائي»، لدعم طلب لبنان المساعدة من البنك الدولي، والحصول على حصة من المبالغ التي ستُخصّص للدول المحتاجة. صحيح أن هذا التصريح أثار حفيظة وزارة الاقتصاد اللبنانية التي سارعت إلى نفيه، لكن ردة الفعل هذه، لا تلغي مفاعيل هذا التحذير الصادر عن مسؤولة «دولية» في مجال الغذاء، والتي تحدّثت عن ارتفاع كبير في أسعار الغذاء، وعن أن نحو 900 ألف شخص يواجهون انعدام الأمن الغذائي.
ما خسره لبنان اقتصاديًا وماليًا من جرّاء تأجيل زيارة سلام، يرتبط بالتوقيت. ما نشهده من تطوّرات حاليًا يؤشر على أن الحرب الإقليمية، وإذا لم تستجدّ مفاجآت، ستأخذ الطابع الاقتصادي من خلال الحصار البحري الذي تحدث عنه الرئيس الأميركي دونالد ترامب. هذا الحصار، في حال حصوله، ستمتدّ تأثيراته السلبية إلى كل اقتصاديات الدول، من خلال ما قد تشهده سوق النفط والغاز. كما أن عودة القتال، إذا حصلت، ستركّز على المنشآت الاقتصادية في إيران ودول المنطقة.
في الموازاة، هناك احتمال في أن تتواصل المعارك في لبنان، بما يعني المزيد من الأضرار المباشرة المرتبطة بالدمار، بالإضافة إلى الخسائر غير المباشرة المرتبطة بالاقتصاد بكلّ مفاصله وقطاعاته.
في سيناريو من هذا النوع، سيكون الضغط على الليرة، وعلى المؤسّسات، والضغط المعيشي على القدرات الشرائية للمواطنين، أكبر من قدرات الاقتصاد اللبناني الهش على الصمود. صحيح أن حالة من هذا النوع، لا تُعالج ببرنامج مساعدات من البنك الدولي، لكن «الكحل أحسن من العمى»، ومن تظاهر أمام السراي، ومن ثمّ احتفال بتأجيل زيارة سلام ساهم في تعميق مأساة النازحين، قبل سواهم.