المصدر: لوريان لوجور
الكاتب: منير يونس
الأربعاء 3 حزيران 2026 15:04:26
يواجه لبنان استحقاقًا جديدًا وحساسًا أمام مجموعة العمل المالي (FATF)، الهيئة الدولية المعنية بمكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب. فمع اقتراب الاجتماع الدوري للمجموعة في باريس بين 15 و19 الجاري لمراجعة أوضاع الدول المدرجة على «القائمة الرمادية»، تسعى بيروت إلى تجنب أي تصعيد قبل الموعد الحاسم المقرر في تشرين الأول المقبل.
في الوقت الراهن، لا يُتوقع اتخاذ إجراءات إضافية بحق لبنان، إذ ستتركز المناقشات على مدى التقدم في تنفيذ الإصلاحات المطلوبة في مجال مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب. لكن يتعين على السلطات اللبنانية أن تثبت للمجموعة أنها نفذت فعليًا التعهدات التي قطعتها للمؤسسات الدولية قبل اجتماع الخريف المقبل، وإلا فإن وضع البلاد قد يزداد تعقيدًا.
نحو سحب الترخيص؟
من بين الملفات الأكثر حساسية يبرز ملف «القرض الحسن»، المؤسسة المالية المرتبطة بحزب الله والخاضعة لعقوبات أميركية وخليجية.
فبعد سنوات من العمل ضمن منطقة رمادية قانونيًا وسياسيًا، باتت المؤسسة اليوم في قلب ضغوط متزايدة على المستويات القضائية والإدارية والدولية، خصوصًا بعد تدمير معظم مقارها وفروعها خلال الغارات الإسرائيلية.
ورغم محاولة المؤسسة استعادة نشاطها عبر إعادة فتح بعض الفروع في الضاحية الجنوبية لبيروت، شكّل رفض المديرية العامة للشؤون السياسية واللاجئين في فبراير الماضي منحها إفادتها السنوية نقطة تحول مهمة.
ومن دون هذه الوثيقة، التي تتيح لها إنجاز معاملاتها لدى الإدارات العامة والهيئات الرسمية، أصبحت المؤسسة في وضع قانوني ملتبس: فهي لم تُحلّ رسميًا، لكنها لم تعد تتمتع باعتراف إداري كامل.
ويكشف مسؤول في وزارة الداخلية أن «هذه الخطوة قد تمثل مرحلة تمهيدية لسحب الترخيص القانوني الممنوح للجمعية منذ عام 1987».
لكن اتخاذ قرار كهذا يتطلب تصويت مجلس الوزراء بناءً على توصية وزير الداخلية، وهي خطوة لم تحصل بعد بسبب الانقسامات داخل السلطة التنفيذية.
ففي حين يدعو بعض المسؤولين إلى الإسراع في سحب الترخيص وترك القضاء يلاحق القائمين على المؤسسة، يحذر آخرون من أن خطوة متسرعة قد تُفسَّر على أنها استهداف للبيئة الشيعية المؤيدة لحزب الله، ما قد يمنح الحزب ورقة إضافية لتصعيد خطابه ضد الحكومة.
من جمعية خيرية إلى مؤسسة مالية مثيرة للجدل
أُسست «القرض الحسن» أساسًا كجمعية خيرية بموجب قانون عثماني يعود إلى عام 1909، وكانت مهمتها تقديم قروض صغيرة من دون فوائد للفئات محدودة الدخل.
وبهذه الصفة، لم تخضع يومًا لقانون النقد والتسليف اللبناني ولم تُسجل لدى مصرف لبنان.
إلا أن نشاطها توسع تدريجيًا ليشمل عمليات تشبه إلى حد كبير الأعمال المصرفية، مثل:
استقبال الودائع.
تداول السيولة بين مؤسسات مرتبطة بحزب الله.
تنفيذ عمليات مقاصة بين الدولار والليرة اللبنانية.
وقد أثارت هذه الأنشطة شبهات تتعلق بتبييض الأموال وتمويل الإرهاب، خاصة في ظل غموض الإطار الرقابي الذي يحكم المؤسسة.
فوزارة الداخلية تملك سلطة الرقابة الإدارية عليها، بينما يتمتع مصرف لبنان بصلاحيات مالية، ويمكن لمجلس الوزراء سحب الترخيص، في حين يبقى القضاء الجهة الوحيدة المخولة بالملاحقة الجزائية.
تشدد جديد من مصرف لبنان
شهد موقف مصرف لبنان تحولًا ملحوظًا منذ تولي الحاكم كريم سعيد مهامه.
فبعد سنوات من التساهل النسبي، أصدر المصرف المركزي عدة تعاميم تمنع جميع المؤسسات المالية الخاضعة لرقابته – بما فيها المصارف وشركات تحويل الأموال والصرافة والوساطة المالية وصناديق الاستثمار والمحافظ الإلكترونية – من إقامة أي علاقة مباشرة أو غير مباشرة مع «القرض الحسن».
ويؤكد مصدر في وزارة الداخلية أن الجهات المعنية «تصرفت على أساس هذه التعاميم منذ صدورها».
احتمال فتح تحقيق قضائي
بالتوازي مع ذلك، تفيد المعلومات بأن النيابة العامة التمييزية تدرس بجدية فتح تحقيق ضد المؤسسة.
وقد قُدمت عدة شكاوى بهذا الشأن، أبرزها الدعوى التي رفعها المحاميان مجد حرب وإيلي كرلس عام 2021، والتي أُعيد تفعيلها أواخر عام 2024.
ويرى عدد من القضاة أن غياب الإفادة السنوية يشكل عنصرًا إضافيًا يبرر فتح تحقيقات بحق مؤسسة يُشتبه بأنها تمارس أنشطة مصرفية بصورة غير قانونية.
وبحسب هؤلاء، يمكن ملاحقة المؤسسة استنادًا إلى المواد 200 و206 و208 من قانون النقد والتسليف، التي تحظر على أي جهة غير مرخصة تلقي الودائع أو منح القروض ذات الطابع المصرفي.
وتنص هذه المواد على عقوبات تشمل السجن والغرامات المالية.
رد ناعم قاسم
أثار الملف ردًا مباشرًا من الأمين العام لحزب الله، نعيم قاسم، الذي دافع في خطاب ألقاه في 24 أيار عن «القرض الحسن»، واصفًا إياه بأنه «مؤسسة اجتماعية» هدفها مساعدة الفئات الفقيرة والمحدودة الدخل.
ونفى أن تكون للمؤسسة أي وظيفة مصرفية أو مالية مرتبطة بالحزب، واتهم الداعين إلى إغلاقها بالسعي لاحقًا لاستهداف المدارس والمستشفيات التابعة لحزب الله.
كما وصف الحملة ضد المؤسسة بأنها «مشروع أميركي – إسرائيلي»، معتبرًا أن «للشعب الحق في النزول إلى الشارع وإسقاط الحكومة» إذا تم تنفيذ مثل هذه الإجراءات.
القضية تتجاوز «القرض الحسن»
ويقول أحد الوزراء، طالبًا عدم الكشف عن هويته، إن القضية ترتبط في جوهرها بمستقبل حزب الله نفسه.
فالحزب يدير شبكة واسعة من المؤسسات التعليمية والاجتماعية والصحية التي تربطها علاقات مالية مع «القرض الحسن»، كما أن بعض الوزراء يبدون قلقًا بشأن مصير الذهب المرهون من قبل عشرات آلاف العملاء كضمانة للقروض.
ويضيف الوزير:
«الحكومة تبنت رسميًا مبدأ حصرية السلاح بيد الدولة واعتبرت سلاح حزب الله غير قانوني، لكنه لا يزال موجودًا عمليًا. والأمر نفسه ينطبق على تمويل الحزب».
ويختم بالقول:
«المشكلة الأساسية تبقى السلاح. ما دام موجودًا، فإنه يحمي منظومة موازية كاملة تعمل خارج سلطة الدولة ومؤسساتها».