المصدر: المدن
الأحد 4 تشرين الأول 2026 19:29:41
مع بدء تشرين الأول، يقف لبنان الرسمي على خط تماس مفصلي شديد التعقيد، بين عمليات إسرائيل وتهديداتها المفتوحة بإنشاء "حزام أمني عازل" جنوباً، ومحاولة واشنطن إحكام حلقة التفاوض من بوابة عسكرية جديدة في تامبا- فلوريدا في 20 من هذا الشهر. وتبدو هذه الجولة التفاوضية اختباراً استراتيجياً صُمم لإحراج لبنان وحشره في مربع الشروط المسبقة قبيل انتخابات الكنيست الإسرائيلي المقررة بعد الموعد بأسبوع.
ويكمن مأزق لبنان في أنه لا يستطيع الامتناع عن المشاركة في الجولة الموعودة، ولو اعترض على الشروط التعجيزية، وحاول تجنب إعطاء بنيامين نتنياهو "هدية انتخابية". إذ ستسارع واشنطن وتل أبيب حينذاك إلى تحميله مسؤولية تعطيل اتفاق الإطار وإفراغه من محتواه. ويُتيح هذا السيناريو لإسرائيل التحلل الكامل من أي التزامات دولية، واستغلال الفراغ الميداني لتثبيت واقع «الخط الأصفر» بفرضية أنه واقع جغرافي- أمني اضطراري لحماية شمالها.
وتصر واشنطن على جعل اللقاء محصوراً بالشق الفني-العسكري تحت مظلة القيادة المركزية الأميركية. وفي هذا السيناريو، يواجه الوفد اللبناني مطالبات إسرائيلية- أميركية صارمة بتقديم "جداول زمنية وتعهدات عملانية لسحب سلاح حزب الله". وإخفاق لبنان الرسمي في إطلاق برمجة جدية لنزع هذا السلاح سيمنح تل أبيب الذريعة لرفض أي انسحاب من مناطق تجريبية جديدة، وتحويل المفاوضات إلى منصة لتثبيت الابتزاز الإسرائيلي.
وفي المقابل، يعمل رئيس الحكومة نواف سلام والوفد اللبناني لتحويل جلسة تامبا إلى مفاوضات لتأمين الانسحاب الإسرائيلي الشامل وتحديد القوة البديلة لليونيفيل. غير أن نجاح هذا السيناريو يصطدم برفض واشنطن التي تتجنب حتى اللحظة فرض التزامات حقيقية على نتنياهو قبيل صناديق الاقتراع.
وتلقي أزمة تامبا بظلال ثقيلة على البيئة السياسية الداخلية، مُتسببةً بإعادة رسم المواقف والتحالفات. فالدولة تخوض جولة دفاع عن مواقفها. وزيارة الرئيس نواف سلام للنبطية ورسائل الرئيس جوزاف عون للجنوبيين تؤكدان أن "مظلة الدولة والجيش هي السند الحقيقي للسيادة". وتسعى الدولة إلى تأمين حزام أمان داخلي يرفض الاستفراد الإسرائيلي، لكنها في الوقت نفسه واقعة بين سندان الشروط الأميركية المالية والعسكرية، ومطرقة العجز عن صد إسرائيل بقوة السلاح الذاتي. وفي المقابل، يتمسك بثوابت "المقاومة والرفض المطلق للتنازل عن السلاح"، معتبراً أن المفاوضات الإيرانية- الأميركية هي الممر الحقيقي للتسوية. ويخوض الحزب مناورات ميدانية لتثبيت خطوطه الخلفية، لمنع تجريده من أوراق قوته التفاوضية أو عزله مجتمعياً.
وتروّج وسائل إعلام إسرائيلية لرواية مفادها أن "حزب الله" يعيد توزيع قدراته العسكرية نحو مناطق أعمق، في إقليم التفاح وجبل الريحان وجبل صافي. وكانت القناة 12 الإسرائيلية قد نقلت ادعاءات عن نقل "حزب الله" صواريخ دقيقة ومنظومات دفاع وأسلحة وذخائر باتجاه إقليم التفاح وجبل الريحان وجبل صافي، في إطار إعادة تموضع بعد خسارة مواقع استراتيجية. وينقل تقرير عن مصادر في المؤسسة الأمنية الإسرائيلية أن عمق القطاع الذي تعمل فيه القوات يصل إلى نحو 12 كيلومترًا من الحدود. وتنقل "يديعوت أحرونوت" عن مصدر أمني قوله إن القوات الموجودة حاليًا عند أعمق امتداد لـ"الخط الأصفر" يمكنها، عند صدور القرار، الوصول إلى مشارف صور في "ليلة واحدة".
وفي الخلاصة، لا تبدو معركة تامبا أسهل للبنان من معارك الميدان جنوباً. والنجاة في استحقاق تامبا يكون بصياغة "واقعية لبنانية" تقوم على التمسك الصارم بالمظلة الدولية، ورفض تفريغ الجنوب من الحضور الدولي بعد اليونيفيل، وبناء مخرج داخلي جاد وموحد لإدارة قرار الحرب والسلم تحت مظلة الدولة، وهذا ما يُسقط الذرائع الإسرائيلية أمام المجتمع الدولي.
"الدفاع المتقدّم" داخل لبنان
وفي موازاة الضغط التفاوضي، تكشف التقارير الإسرائيلية عن محاولة تثبيت واقع ميداني جديد جنوباً يقوم على مفهوم "الدفاع المتقدّم"، أي نقل خط الدفاع عن المستوطنات الشمالية إلى داخل الأراضي اللبنانية. وتتحدث "يديعوت أحرونوت" عن تجهيز مواقع وطرق لوجود طويل الأمد، فيما تعتبر المنصوري ومجدل زون من أبرز المناطق التي تواصل إسرائيل عملياتها فيها، وتقول إن تموضعها الحالي يتيح لقواتها، عند صدور القرار، التقدم نحو مشارف صور خلال "ليلة واحدة".
تصعيد واسع على امتداد الجنوب
ميدانياً، واصلت إسرائيل غاراتها وقصفها المدفعي وعمليات التفجير على عدد واسع من المناطق الجنوبية. فاستُهدفت المنصوري بغارتين وتفجيرات وقصف مدفعي، فيما طالت غارات أخرى القنطرة وكفرتبنيت ومحيط وادي فرون. كما تعرّض وادي زبقين لقصف مدفعي بعد تفجير عنيف، وطال القصف ميفدون وكفررمان وحداثا وحاريص وحولا ووادي السلوقي وسهل الخيام وشقرا وأطراف كفرتبنيت.
وفي ميفدون، أطلقت القوات الإسرائيلية ثلاث قذائف مدفعية باتجاه فريقَي قناة "الجديد" و"قناة النبطية"، من دون تسجيل إصابات، بالتزامن مع قصف مركّز على أطراف البلدة. كذلك نفذت القوات الإسرائيلية تفجيراً عند أطراف برعشيت، وألقت مسيّرة قنبلة صوتية بين شقرا وبرعشيت باتجاه أحد المواطنين من دون إصابته.
وفي صريفا، انفجر جسم يُعتقد أنه من مخلّفات الاعتداءات الإسرائيلية من دون إصابات. وفي طيرفلسيه، باشرت وزارة الأشغال، بالتنسيق مع المصلحة الوطنية لنهر الليطاني، استحداث عبارة مائية بديلة للجسر المدمّر لتأمين حركة المرور. وفي المقابل، أعلن الجيش الإسرائيلي إصابة جنديين خلال عملية عسكرية في جنوب لبنان يوم الجمعة.
بين الميدان وتامبا
وهكذا، يدخل لبنان الأسابيع الفاصلة عن جولة تامبا فيما تحاول إسرائيل تحسين موقعها التفاوضي بالنار وتثبيت وقائع ميدانية يصعب التراجع عنها لاحقاً. ومن هنا، يصبح استحقاق 20 تشرين الأول أبعد من جولة تقنية، إذ سيتحدد على أساسه ما إذا كان المسار الأميركي قادراً على فتح باب الانسحاب واحتواء التصعيد، أم أن "الخط الأصفر" سيتحول تدريجياً من واقع عسكري مؤقت إلى أمر واقع طويل الأمد في الجنوب.