المصدر: المدن
السبت 25 نيسان 2026 20:57:25
وفتح مفوّض الحكومة لدى المحكمة العسكريّة، القاضي كلود غانم، تحقيقًا في حادثة إطلاق النّار التي شهدتها منطقة ساقية الجنزير في بيروت، فيما يخضع حاليًّا أربعة عناصر من أمن الدّولة للتحقيق، لكشف ملابسات ما جرى خلال محاولة إحضار المدعوّ حسن عيتاني، المعروف بـ"أبو علي عيتاني".
وفي أعقاب المداهمة، بدأت تحرّكاتٌ احتجاجيّة تمثّلت بقطع عددٍ من الطّرقات في بيروت. وأفادت تقارير ميدانيّة بأنّ طرقات قصقص، الكولا، الملّا وكورنيش المزرعة قُطعت، فيما أُقفلت طريق فردان بالاتّجاهين، وسط تحرّكاتٍ تضامنيّة مع عيتاني.
وبحسب مصدرٍ قضائيّ لـ"المدن"، فإنّ النّائب العام المالي، القاضي ماهر شعيتو، كان قد استدعى عيتاني إلى التحقيق مرّتين، إلّا أنّه تغيّب عن الحضور. وفي المرّة الثالثة، أعطى القاضي شعيتو إشارة إحضارٍ إلى جهاز أمن الدّولة، وعلى هذا الأساس تحرّكت العناصر لإحضاره.
غير أنّ المهمّة الأمنيّة تحوّلت إلى إشكالٍ ميدانيّ، تطوّر إلى إطلاق نارٍ في الهواء، ما استدعى فتح تحقيقٍ مع العناصر الأمنيّين لمعرفة ظروف الحادثة. كما جرى إخلاء سبيل عيتاني بعد توقيفه، وأُحيل الملفّ لمتابعته إلى مديريّة الاستعلام والعمليّات الخاصّة.
سلام يندّد ويأمر بتحقيقاتٍ فوريّة
ودخل رئيس مجلس الوزراء، نوّاف سلام، على خطّ الحادثة، مندّدًا بما جرى في ساقية الجنزير. وكتب في منشورٍ على منصّة "إكس" :"ما شهدته ساحة ساقية الجنزير بعد ظهر اليوم من أعمال عنف من قبل عناصر أحد الأجهزة الأمنيّة ضدّ المدنيّين، وإطلاق النّار، وإرعاب المواطنين، تصرّفاتٌ غير مقبولة أيًّا كانت الأسباب أو الذّرائع. إنّني أعطيت الأوامر الصّارمة للقيام بالتّحقيقات الفوريّة لجلاء ملابسات ما جرى، واتّخاذ التّدابير اللّازمة المسلكيّة والقضائيّة بحقّ المرتكبين. أدعو إخوتي المواطنين في بيروت إلى التّحلّي بأعلى درجات ضبط النّفس حفاظًا على أمن عاصمتنا الغالية وسلامة أهلنا فيها".
وفي وقت لاحق، استقبل سلام وفداً من مخاتير بيروت على إثر حادثة ساقية الجنزير، وأكد لهم أن التصرفات التي صدرت عن أحد الأجهزة مستنكرة ولا يمكن تبريرها بأي شكل من الأشكال. وأكد سلام أنه أجرى كافة الاتصالات المطلوبة من أجل اتخاذ التدابير المسلكية والقانونية بحق كل من يتبيّن أنه وراء هذه الأفعال التي هي نقيض ما ندعو إليه من قيام دولة قانون ومؤسسات. كما شكر سلام المخاتير على استجابتهم السريعة لضبط النفس وفتح الطرقات في العاصمة، وأكد لهم أنه سيستمر في متابعته الشخصية حتى ينال المرتكبون جزاءهم.
وكان عددٌ من مخاتير المنطقة توجهوا إلى منزل وزير الدّاخليّة احمد الحجار للوقوف على ملابسات ما حصل، وسط ترقّب صدور بيانٍ أو موقفٍ يحدّد طبيعة الاعتراض على ما جرى.
وبحسب معنيّين بالتّحرّك، فإنّ ما حصل يُعدّ "تعدّيًا" يستوجب توضيحًا رسميًّا، خصوصًا إذا تبيّن أنّ العناصر لم يكونوا يحملون إذن تفتيشٍ أو مستندًا قضائيًّا واضحًا يجيز تنفيذ المداهمة، وهو ما قد يفتح بابًا واسعًا أمام مساءلاتٍ إداريّة وقضائيّة.
وبعد انتهاء الاجتماع، كتب الحجار عبر صفحة الوزارة على "أكس": "اجتمعتُ مع وفد من أهلنا في بيروت، ضم مخاتير ومحامين وفاعليات أكدوا ان أبناء بيروت تحت سقف القانون واستنكروا ما جرى من عنف وإطلاق للنار أثناء مداهمة في منطقة ساقية الجنزير - بيروت. وخلال اللقاء، شددنا على ضرورة الحفاظ على أمن العاصمة واستقرارها في هذه المرحلة الدقيقة. كما توافقنا على أن التحلّي بالوعي وضبط النفس يشكّلان الركيزة الأساسية لحماية مدينتنا بيروت وصون سلامة أبنائها. سنتابع مع فخامة رئيس الجمهورية ودولة رئيس الحكومة ما جرى في ساقية الجنزير، بما يضمن حفظ الأمن واحترام القوانين.
وبناء على الاجتماع، نهيب بأهلنا فتح الطرقات، والتعاون معًا لحماية بيروت وتعزيز استقرارها".
أمن الدّولة: نفّذنا إشارةً قضائيّة
من جهته، أصدرت المديريّة العامّة لأمن الدّولة، قسم الإعلام والتّوجيه والعلاقات العامّة، بيانا تطرقت فيه إلى ملابسات ما حصل، جاء فيه أنه "إلحاقًا ببيانها السّابق بتاريخ 18, 4, 2026، ومتابعةً لجهودها المستمرّة في قمع المخالفات التي تمسّ بالأمن الاقتصاديّ، وبعد تخلّف أحد أصحاب المولّدات الكهربائيّة المخالفة ضمن نطاق مدينة بيروت عن الحضور إلى مبنى مديريّة الاستعلام والعمليّات الخاصّة لاستكمال الإجراءات القضائيّة بحقّه، وبناءً على إشارة النّيابة العامّة الماليّة القاضية بإحضاره، قامت دوريّة من هذه المديريّة العامّة بتنفيذ الإشارة القضائيّة، فاعترضها عددٌ من المواطنين ومنعوها من تنفيذ مهمّتها، ما اضطرّ بعض العناصر إلى إطلاق النّار في الهواء لتفريقهم، ولم يُصَب أحدٌ بأذى".
وأضاف البيان: "يتمّ إجراء التّحقيق بإشراف النّيابة العامّة العسكريّة".
الحجار يلتقي فاعليات بيروتية
وكتب وزير الداخلية والبلديات أحمد الحجار عبر صفحة الوزارة على "اكس":
"اجتمعتُ مع وفد من أهلنا في بيروت، ضم مخاتير ومحامين وفاعليات أكدوا ان أبناء بيروت تحت سقف القانون واستنكروا ما جرى من عنف وإطلاق للنار أثناء مداهمة في منطقة ساقية الجنزير - بيروت.
خلال اللقاء، شددنا على ضرورة الحفاظ على أمن العاصمة واستقرارها في هذه المرحلة الدقيقة.
كما توافقنا على أن التحلّي بالوعي وضبط النفس يشكّلان الركيزة الأساسية لحماية مدينتنا بيروت وصون سلامة أبنائها.
سنتابع مع فخامة رئيس الجمهورية ودولة رئيس الحكومة ما جرى في ساقية الجنزير، بما يضمن حفظ الأمن واحترام القوانين.
وبناء على الاجتماع، نهيب بأهلنا فتح الطرق، والتعاون معًا لحماية بيروت وتعزيز استقرارها".
رواياتٌ متضاربة حول خلفيّات الحادثة
وبحسب مصادر متابعة، تنقسم الرّوايات حول خلفيّة الحادثة إلى أكثر من مسار. وتشير إحدى الرّوايات إلى أنّ عيتاني كان قد طُلب إليه تركيب عدّاداتٍ على المولّدات، بتوجيهٍ من وزارة الاقتصاد، وهو ما رفضه، موكّلًا محاميًا لمتابعة الملفّ قانونيًّا.
وتضيف هذه الرّواية أنّ العميد شريم في أمن الدّولة أرسل قوّةً مؤلّفةً من خمسة عناصر، يرافقهم شخصٌ على درّاجةٍ ناريّة، لتنفيذ المداهمة. وبحسب المصادر نفسها، ارتاب الأهالي من القوّة بسبب حضورها بعتادها الكامل، قبل أن يحصل إطلاق نارٍ في الهواء بعد تجمّع المواطنين في محاولةٍ لمنع توقيف "أبو علي".
وتذهب هذه الرّواية إلى حدّ القول إنّ القوّة لم تكن تملك، أساسًا، أمرًا قانونيًّا يجيز لها تنفيذ هذه المهمّة.
أمّا الرّواية الثّانية، فتربط ما جرى بطلب خفض التّسعيرة لبعض السكّان على حساب أهالي المنطقة، وهو ما رفضه عيتاني بعد استشارة مخاتير وفعاليّات المنطقة. وبحسب هذه الرّواية، تبلّغ عيتاني تهديدًا مفاده أنّ التّسعيرة يجب أن تصبح شبه مجّانيّة للنازحين، وإلّا فإنّ إشكالًا سيقع داخل المنطقة.
وكيل عيتاني: المداهمة تثير تساؤلات
وكان وكيل عيتاني القانوني قد أوضح أنّ القوّة الضّاربة نفّذت مداهمةً استهدفت موكّله في ساقية الجنزير، وسط أجواءٍ من التوتّر الميدانيّ. ولفت إلى أنّ العناصر حاولت توقيفه، إلّا أنّها لم تتمكّن من ذلك بعد تجمّع عددٍ من أبناء المنطقة وحصول تلاسن، ما أتاح له مغادرة المكان.
وأشار الوكيل إلى أنّ المداهمة نُفّذت، بحسب معلوماته، من دون إشارةٍ قضائيّة بتوقيف عيتاني، معتبرًا أنّ ما حصل يثير تساؤلاتٍ حول خلفيّات الخطوة وتوقيتها.
في المقابل، أكّدت معطياتٌ أمنيّة أنّ ما يُشاع عن غياب الإشارة القضائيّة غير دقيق، وأنّ الإجراءات تمّت وفق الأصول القانونيّة.
وتأتي هذه التطوّرات في سياق أزمة تسعيرة المولّدات الكهربائيّة، التي تشهد خلافاتٍ متكرّرة بين أصحاب المولّدات والمواطنين، وغالبًا ما تتطوّر إلى إشكالاتٍ ميدانيّة، خصوصًا في المناطق المكتظّة.
وبين الرّوايات المتضاربة حول قانونيّة المداهمة وخلفيّاتها، وبين تأكيد أمن الدّولة أنّه تحرّك بناءً على إشارةٍ قضائيّة، يبقى التحقيق العسكريّ المنتظر هو المسار الحاسم لتحديد المسؤوليّات، وبيان ما إذا كانت القوّة الأمنيّة قد التزمت حدود المهمّة الموكلة إليها، أم أنّ ما جرى تجاوز الأصول القانونيّة والميدانيّة.