تراجعُ هجمات إيران... نقصُ مخزون أم تكتيك؟

في تفسيرها لأسباب انخفاض هجمات المسيّرات الإيرانية بنحو 83 في المئة، ميّزت الأستاذة المشاركة للدراسات الأمنية في جامعة جورج تاون الأميركية كيلي غرييكو بين مؤشّرين: ما تفعله إيران حالياً، والقدرة التي تحتفظ بها.

بمعنى آخر، ليس ضرورياً أن يكون انخفاض الهجمات ناجماً عن نقص في المخزون، وإنما قد يمثّل "مؤشّر سلوك" إيراني.


عدّدت غرييكو يوم الاثنين في موقع "وور أون ذا روكس" ثلاثة أسباب محتملة ومتداخلة لهذا الانخفاض: التخزين لهجمات مستقبلية، خصوصاً مع تعلّم إيران من روسيا مناورات تحسين الاستهداف، التركيز على مضيق هرمز، وعدم اضطرارها لبذل أقصى جهد ممكن يومياً لتحقيق الاستنزاف. تضاف هذه الأسباب إلى صعوبة استهداف المسيّرات، بعكس الصواريخ، وإلى الصعوبة التاريخية في تقييم الأضرار أساساً.

 

أسباب أخرى

بينما تبقى كل الأسباب المذكورة معقولة، لا يمكن استبعاد تفسيرات أخرى. يتمثل الأول في نجاح الولايات المتحدة وإسرائيل بتثبيط عمليات الإطلاق نفسها. تُمكّن السيطرة على الأجواء من تحقيق مقدار معيّن من هذا الهدف. ثانياً، بالرغم من صعوبة تحديد هذا العامل بشكل مادي، ربما يؤدي التضعضع في القيادة العسكرية دوراً في هذا الانخفاض. فاللامركزية في الهجمات التي تعتمدها إيران تعاني من نقطة ضعف وهي غياب الإمدادات التي تمكّن الخلايا المنعزلة من العمل لفترة طويلة.


في هذين السيناريوين، تخفّض إيران اللجوء إلى المسيّرات، لكن ذلك ينبع من الإكراه لا من إرادة حرة. مع ذلك، لا يمكن تجاهل نظرية أن تكون طهران قد فقدت جزءاً كبيراً من إمكانات القصف المتاحة أمامها.


علامة فارقة

بإمكان الرسوم البيانية منح المراقبين لمحة عامة عن القدرات الإيرانية. في الرسم أدناه الصادر عن "معهد دراسة الحرب" والذي يغطي الفترة من 28 شباط/فبراير وحتى 16 آذار/مارس، ثمة مسار تنازلي واضح في إطلاق الهجمات ضد الإمارات العربية المتحدة.

اللافت أن ثمة ترابطاً واضحاً بين انخفاض إطلاق الصواريخ والمسيّرات. صحيح أن استهداف مخازن الصواريخ أسهل نسبياً من استهداف مخازن المسيّرات، لكن صورة الترابط معبّرة. هل يتعلق الأمر فقط بتثبيط إطلاق النيران ككل؟ أم له علاقة باستنزاف كل المخازن، صاروخية ومسيّراتية معاً؟

 

إذا كانت أميركا وإسرائيل قادرتين على تعقب أهم شخصيات النظام حتى وسط فوضى الحرب، كما هي الحال مع نبأ اغتيال علي لاريجاني وقادة أمنيين آخرين، فالأولى أن تكون قادرة على رصد الكثير من المخازن الثابتة للمسيّرات والصواريخ.

 

بالحدّ الأدنى، تحتاج المسيّرات، كما الصواريخ الإيرانية، إلى منصات للإطلاق. ليست هذه المنصّات معقّدة كما هي الحال بالنسبة إلى تلك التي تُطلِق الصواريخ، لكنّ ضربها يبطئ عمليّات الإطلاق.

 

"تَفَلسَفْ لاحقاً"

لنظرية تقتير المسيّرات نقطة ضعف كبيرة. بينما يستحيل نفيها تماماً، يبقى أنّ ادّخار استخدام المسيّرات للمستقبل، يحرم النظام من وسيلة ضغط ملحّة يحتاج إليها اليوم. فعلاوة على أنها وسيلة تتآكل يومياً، لا يشكّل تأجيلها إلى مستقبل غير مضمون في الأساس أمراً منطقياً.

 

تذكّر نظرية التقتير، أو الامتناع الإرادي عن استخدام المسيّرات حتى وقت لاحق، بمقولة لاتينية شهيرة:

Primum vivere deinde philosophari

 

يعني القول المنسوب للفيلسوف البريطاني توماس هوبس: عِش أولاً ثم تفلسف لاحقاً. بمعنى آخر أعم، تسبق النجاة أهمية أي فعل بشري آخر. والنجاة هنا، بصفتها على الأقل إظهار النظام قدرته على الصمود والرد على النيران (ولو كان رداً في غير موضعه مع دول الخليج)، هي على المحكّ. بالحد الأدنى، طالما أن النيران الإيرانية تتناقص، ما الذي يجبر واشنطن وتل أبيب على التفاوض وفقاً لتوقيت طهران وشروطها؟

 

لا أحد بإمكانه الجزم حالياً بمخزونات إيران من المسيّرات والصواريخ، بما فيها إيران نفسها. لكن تكهّناً واقعياً يميل إلى أن تكون ترسانتها من المقذوفات تعاني من ضرر شديد، أكثر من ميلانه باتجاه أن يكون النظام مرتاحاً إلى هذا الحد في تنويع خياراته.... خصوصاً مع مواصلة فقدان قياداته.