ترامب وتفكيك محور إيران: من العراق إلى لبنان

لم تعد السياسة الأميركية في المنطقة تحتاج إلى البحث أو التحليل أو التفسير. مع دونالد ترامب، غالباً ما تكون التعبيرات واضحة وصريحة. لا تترك الإدارة الأميركية مجالاً للكثير من الهوامش، وهذا ما يبدو غريباً على السياسيين الذين اعتادوا سابقاً على سياسة كسب الوقت، أو السير على خيط مشدود أو الموازنة في المواقف في علاقتهم مع الولايات المتحدة الأميركية. وما يقوم به دونالد ترامب هو الاستعجال بإنهاء كل الملفات أو تحقيق أكبر قدر ممكن من الأهداف خلال فترة سريعة، وتحديداً قبل الانتخابات النصفية في الخريف المقبل، وطالما أن مسار الاتفاقات الابراهيمية قد تعثر أو تأخر، فهو يفضل تسجيل نقاط في ميادين أخرى، وأبرزها الإعلان عن مجلس السلام في غزة وتثبيت وقف النار هناك، تحقيق نتائج في لبنان وفق الرؤية الأميركية، وكذلك في العراق ومع إيران.

 

قطع طريق المالكي

يُعتبر ترامب من الشخصيات التي لا تتراجع عن أهدافها. لذا، فهو لا يزال مصراً على تحقيق تغيير استراتيجي في إيران إما سياسياً من خلال اتفاق وتفاهم او عسكرياً من خلال استخدام القوة أو اللجوء إلى ما يسميه فرض السلام بالقوة. ضمن هذه السياسة، تندرج الرسالة الأميركية الواضحة التي تبلغها المسؤولون العراقيون بفرض عقوبات تصاعدية على العراق في حال تم تشكيل حكومة ضمت شخصيات محسوبة على إيران. يأتي ذلك في موازاة استعصاء عملية تشكيل الحكومة العراقية وانسحاب الرئيس محمد شياع السوداني لصالح نوري المالكي. عملياً، فإن التحذير الأميركي يقطع الطريق على المالكي، ويمكنه أن يفتح الباب أمام عودة السوداني الذي كان مرفوضاً من قبل الإطار التنسيقي والحشد الشعبي. 

 

إنهاء نفوذ إيران

لا ينفصل ذلك عن التهديد الأميركي القائم والمستمر لفصائل الحشد الشعبي حول توجيه ضربات لهم في حال أقدموا على القيام بأي عملية عسكرية ضد القوات الأميركية أو إسرائيل، وهذا التحذير يتجدد في ظل زيادة التحشيدات العسكرية الأميركية لتطويق إيران واحتمال توجيه ضربة لها. يبقى الهدف الأميركي أبعد من ذلك، وقد جرى التعبير عنه، وهو إنهاء النفوذ الإيراني في المنطقة، بالإضافة إلى إنهاء الملف النووي وضرب الصواريخ البالستية. عراقياً، فإن الأهداف الأميركية تشير بوضوح إلى ضمان إنهاء التأثير الإيراني على مفاصل القرار والثروة، وهذا ما يفتح الباب أمام الانسحاب الأميركي من العراق. 

 

تفكيك الحشد الشعبي

بمعنى أوضح، بالتزامن مع تثبيت التحالف الأميركي السوري، وصولاً إلى إنهاء الاستعصاء الذي كان قائماً مع قوات سوريا الديمقراطية، وفي ظل سعي واشنطن لتمكين أحمد الشرع من تركيز سلطته على كل الجغرافيا السورية وعلى الحدود مع العراق، فإن واشنطن تصبح قادرة على التفكير بالانسحاب من سوريا، وهذا ما تريد أن تفعله في العراق ولكن بعد ضمان إنهاء النفوذ الإيراني هناك وتثبيت وجود حلفاء لأميركا في السلطة، وذلك يقتضي تفكيك حالة الحشد الشعبي وكل مراكز القوى الإيرانية. 

 

حالة صديقة في لبنان

ما يسري على العراق، ينطبق تماماً على الوضع اللبناني، فواشنطن تصر على تطبيق ما التزم به لبنان لحصر السلاح بيد الدولة وسحب سلاح حزب الله كاملاً. وفي السياق، تتضارب المواقف الأميركية حول المرحلة المقبلة لبنانياً وعلى مستوى الحزب. فبينما يتحدث مسؤولون أميركيون عن إمكانية تخلي حزب الله عن سلاحه وعن العسكرة ويفكك البنى العسكرية والأمنية والتحول إلى السياسة، هناك اتجاهات أخرى أكثر تطرفاً تريد تفكيك حزب الله بالكامل بما في ذلك المؤسسات الاجتماعية والبنية السياسية، والاتجاه نحول تحول سياسي كامل في البنية الشيعية، لخلق بيئة ملائمة للأميركيين أو صديقة لهم أو بالحد الأدنى لا تبقي على حالة العداء الايديولوجي مع إسرائيل وتفسح في المجال أمام الذهاب نحو اتفاق لبناني إسرائيلي وإن لم يكن هذا الاتفاق هو اتفاق سلام ولكن اتفاق أمني أو العودة إلى اتفاقية الهدنة 1949. 

 

الضغوط القصوى

كل المؤشرات تفيد بأن ترامب وبالتفاهم مع نتنياهو، سيواصل الضغط إلى الحدود القصوى على لبنان ودول المنطقة ككل لتحقيق ما يريده، فهو يسعى لخوض الانتخابات النصفية من موقع القوي الذي سيطر على دول جديدة أو أدخل دولاً جديدة إلى الفلك الأميركي وتمكن من استعادة قوة أميركا، وإحداث التغيير في إيران سيكون عنواناً كبيراً بالنسبة إليه للاستثمار به في الداخل الأميركي، كذلك في حال حقق تقدماً على مسار الاتفاق اللبناني الإسرائيلي، والسوري الإسرائيلي، وأنهى حالة يعتبرها الأميركيون "استعصائية في العراق" تتيح لهم الانسحاب الكامل من هناك للتفرغ لساحات أخرى. 

 

فرنسا تحاول  

لا بد من انتظار المزيد من الضغوط والمفاجآت أيضاً. إما على المستوى السياسي أو على المستوى العسكري. هنا لا يمكن اغفال المسار الذي يعتمده ترامب ويحصره بحليفه نتنياهو فقط، وهو ما يتجلى بالتحديد في التعاطي مع الملف اللبناني الذي يريده ترامب ثلاثياً فقط ما بين لبنان، وإسرائيل برعاية اميركية مع إلغاء أي دور لفرنسا أو للأمم المتحدة. ذلك له أبعاده المتصلة بسعي ترامب لإعادة تركيب المنطقة وفق رؤيته ومن دون إشراك أي طرف آخر بذلك وخصوصاً فرنسا التي تستشعر استبعاداً لها من لبنان كما من سوريا، ولذلك بدا الأميركيون يحصرون معالجة ملف قوات سوريا الديمقراطية بينهم وبين دمشق، لتجد باريس نفسها مضطرة للدخول على الخط من خلال التواصل مع مظلوم عبدي أو مع رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني.