ترامب يساوم على وقف إطلاق النار ونتنياهو لن يقبل بأقل من نزع سلاح الحزب...هدنة منتهية الصلاحية!

 لم يعد خافيا أن الساحة اللبنانية باتت مسرحاً لصراعين: أميركا-إيران، وإسرائيل - حزب الله. وما حصل في الأمس على أثر إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب وقف إطلاق النار بين حزب الله وإسرائيل وخرقه بعد ساعات من الجانبين يؤكد أن الحديث عن "استسلام" بالمعنى السياسي أو العسكري في الوضع الحالي، ليس إلا ترجمة لما يعرف بالمصالح المتبادلة لاحتواء التصعيد إذا توفرت الضمانات الكافية. وعليه فإنه من المبكر جداً الجزم بأن وقف إطلاق النار الذي توصل إليه ترامب سيصمد بشكل كامل وإن كان الطرفان يمتلكان الدوافع للتهدئة.

هذا الواقع جعل الساحة اللبنانية تتأثر بصورة مباشرة بمستوى التوتر أو التهدئة في العلاقات الأميركية–الإيرانية. إذ عندما تتصاعد المواجهة بين الطرفين، ينعكس ذلك على لبنان من خلال الضغوط السياسية والاقتصادية والأمنية. وعندما تبرز فرص للحوار أو التسوية، ينعكس ذلك أيضاً على المشهد اللبناني بدرجات متفاوتة.

غير أن هذه الحقيقة لا تعني أن اللبنانيين مجرد متفرجين على أحداث تفرضها قوى خارجية بالكامل. فالأزمات الداخلية، وضعف مؤسسات الدولة، والانقسامات السياسية، كلها عوامل ساهمت في جعل البلاد أكثر هشاشة أمام التدخلات الخارجية. فهل ينصاع نتنياهو لترامب ويلتزم بقرار الإمتناع عن ضرب بيروت؟ أم أن عودة الحزب إلى طاولة المفاوضات غير المباشرة مع واشنطن ستلزمه بعدم خرق وقف إطلاق النار لإقفال الطريق على إسرائيل من اتخاذها ذريعة؟ كيف يمكن تفسير هذه التناقضات في المشهدين الديبلوماسي والميداني ؟

الكاتب والمحلل الجيوسياسي الدكتور جورج أبوصعب يشرح خارطة المشهد ويقول لـ"المركزية" ما حصل في الأمس ليس إلا "محطة هدنة" لا أكثر ولا أقل. من جهة هناك مفاوضات على الخط الأميركي-الإيراني إلا أن إيران تسعى بشتى الوسائل إلى حشر لبنان في هذه المفاوضات وانتزاع ورقة التفاوض من يد الحكومة اللبنانية للإمساك بها من جديد. وفي إطار هذا المبدأ العام تسعى إيران جاهدة لتثبيت وقف إطلاق النار في الخليج ولبنان.

في المقابل يتابع أبو صعب، وافق ترامب، وفي إطار منطقه التفاوضي المبني على الذهاب مع الخصم حتى النهاية ليكشف عدم قدرته على الإلتزام، على فرض وقف إطلاق النار نزولا عند مطلب إيران ليكشف عجزها عن الإلتزام به. من هذا المنطلق حصلت الإتصالات في الساعات الأخيرة التي قادها مستشار الرئيس نبيه بري مع الأميركيين وتعهد فيها بري إلتزام حزب الله بقرار وقف إطلاق النار شرط أن تبادل إسرائيل بالمثل فتتوقف عن قصف القرى والبلدات الجنوبية وكذلك التوغل في عمق الأراضي اللبنانية. وبالتالي نحن في مرحلة "هدنة موقتة" وليس سلاما منشودا".

للأسف هناك خطأ متداول في رأس ترامب رجل أعمال يخوض المفاوضات السياسية على غرار إبرام صفقة تجارية فهو تارة يرفع السقف عاليا ثم يعود ويخفض السقف في تصاريحه ومواقفه والملاحظ أن تغريداته اليومية يحشر القيادة الإيرانية وتضطر إلى التعقيب على تغريداته ، وهذا يفقد ثقته تجاه الدول والرأي العام المحلي والدولي.

قراءة المشهدية المتقلبة تتوقف أيضا على موقف ترامب المحرج جدا. وفي هذا السياق يكشف أبو صعب ما لم يقله أحد بعد ، ويقول" صحيح أن ترامب يخسر مصداقيته بسبب مواقفه المتقلبة ومواقفه المتناقضة لأنه مضطر إلى مسايرة العرب ولأن حكام دول الخليج طلبوا منه وقف الحرب على إيران . يضاف إلى ذلك الضغط الإقتصادي الذي يعانيه الشعب الأميركي مما يضطره إلى التراجع قليلا في مواقفه عدا عن الضغوطات التي يواجهها من داخل الحزب الجمهوري الذي يرفض إرسال جندي أميركي واحد إلى إيران".

وصولا إلى لبنان، وهنا بيت القصيد" نحن في مرحلة اختبار النوايا والإرادات علما أن الخرق حصل من الجانبين وتم ربط لبنان مجددا بالساحة الإيرانية في حين أن الدولة اللبنانية مصرة على استمرار المفاوضات بمعزل عن الأجندة الإيرانية. بالتوازي ، يجزم أن إسرائيل لن تقبل بأقل من نزع سلاح حزب الله وإزالة الخطركلياً عن شمال إسرائيل على رغم تهديدات ترامب لنتنياهو المتفق عليها، على حد قول أبو صعب.

ويختم" نحن أمام مرحلة متشابكة وكل شيء قابل للتغيير والإنهيار في لحظات. والمؤكد أن القرار الإيراني لم يعد موحدا وهناك انقسام عامودي حول مقاربة التفاوض مع واشنطن. حتى الحرس الثوري لم يعد جسما موحدا وبين جناح منشغل بمصالح اقتصادية وتيار عقائدي يزداد التعقيد في الملفات ومن ضمن هذه التشابكات تندرج التطورات الميدانية والسياسية والتفاوضية".