المصدر: نداء الوطن
الكاتب: أمل شموني
الاثنين 5 كانون الثاني 2026 07:26:37
مثلت هذه العملية، التي أُطلق عليها اسم عملية "العزم المطلق"، ذروة التنسيق الاستخباراتي والعسكري الأميركي. ومهدت أشهر من العمل التأسيسي الذي قامت به وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية وحلفاؤها، الطريق أمام فرقة "دلتا فورس" لشن هجوم في عمق كاراكاس، متجاوزة الدفاعات الجوية الروسية الصنع وشبكات المراقبة الصينية. وشاهد العالم صورًا حية لمادورو، مكبّلًا ومذهولًا، بعدما كان قد أُخرج من ملجأ محصّن، شكّلت رمزًا لنهاية "حقبة الإفلات من العقاب".
ووفقًا لمسؤولين استخباراتيين، بدأت الـ "سي آي إيه" جمع المعلومات عن تحركات مادورو بعد تصاعد النشاط السري بين كاراكاس وطهران أواخر العام الماضي. وقال مصدر في الخارجية الأميركية إن مادورو كان لسنوات حجر الزاوية في محور استبدادي يربط فنزويلا وإيران وروسيا والصين، وهو تحالف تحدّى النفوذ الغربي، ونشر عدم الاستقرار، وآوى وكلاء موالين لإيران في أميركا اللاتينية وخارجها، مضيفًا أن سقوطه لا يُمثل نقطة تحوّل دراماتيكية لفنزويلا فحسب، بل يُشير أيضًا إلى إعادة تشكيل جذرية لديناميكيات القوة العالمية.
وفي مارالاغو، لم يُضيّع الرئيس دونالد ترامب أي وقت في إعلان النصر، وقال عن مادورو لقد "كان في منزل أشبه بحصن منه بمنزل... لقد تعرّض لهجوم مفاجئ وسريع". واعتبر مصدر في البيت الأبيض أن "اليوم، انتصرت الحرية على الطغيان"، مشدّدًا على أن الولايات المتحدة تقف إلى جانب شعب فنزويلا. وقال المصدر: "ليكن هذا بمثابة تحذير لكافة الأنظمة التي تهدّد الحرّية: أميركا لا تتراجع، ولا تنسى".
في السياق، قال وزير الخارجية ماركو روبيو، الذي كان له دور محوري في صياغة سياسة الإدارة تجاه أميركا اللاتينية، إن العملية أكثر من مجرد القبض على ديكتاتور... إنها رسالة: "لا يمكنكم إغراق هذا البلد بأفراد العصابات. ولا يمكنكم إغراق هذا البلد بالمخدرات القادمة من كولومبيا عبر فنزويلا... ولا يمكنكم تحويل فنزويلا إلى مركز عمليات لإيران، وروسيا، و"حزب الله"، والصين، وعملاء الاستخبارات الكوبية الذين يسيطرون على ذلك البلد". أما دان كاين، رئيس هيئة الأركان المشتركة، فقد أشاد بالعملية وقال: "إنها عملية جريئة لا يمكن أن تقوم بها إلّا الولايات المتحدة"، مسلّطًا الضوء على دمج القدرات الجوية والبرية والإلكترونية. في هذا الإطار، وصف ضابط عمليات سابق في وكالة الاستخبارات المركزية عَمِل على ملف فنزويلا لأكثر من عقد، هذه اللحظة، بأنها "انهيار قاعدة العمليات الأمامية للمحور. فقدت إيران وروسيا والصين موطئ قدمها في نصف الكرة الغربي، وبات تصميم أميركا جليًا".
كما أشار مصدر دبلوماسي إلى أن تداعيات العملية على ما يُسمى بـ "محور الاستبداد" وخيمة. فلسنوات، استخدمت إيران فنزويلا كقاعدة انطلاق لوكلائها، حيث قامت بتبييض الأموال، وشحن الأسلحة، وتقديم الدعم اللوجستي لـ "حزب الله" في لبنان وجماعات مسلحة أخرى. في الوقت نفسه، عززت روسيا، عبر مرتزقة "فاغنر" وأنظمة صواريخ "أس 300"، نظام مادورو، بينما ضخت الصين مليارات الدولارات في البنية التحتية والمراقبة لترسيخ طموحاتها في مبادرة "الحزام والطريق".
مع تصدّع نظام مادورو، يقول دبلوماسي أميركي، بدأت شبكة المحور المعقدة بالتفكك. ولفت إلى ما قاله كاين بأن العملية "استعراض قوي للقوة المشتركة الأميركية... ضدّ أي عدو في أي مكان"، مشيرًا إلى أن خسارة فنزويلا وجّهت ضربة كبيرة لنفوذ إيران، إذ فقد "حزب الله" ملاذه الآمن وتوقفت مصادر تمويله، في حين تبخرت استثمارات موسكو وبكين بسرعة.
وشدّد الخبراء الأميركيون على أن النظام الإيراني، على وجه الخصوص، يعاني من أزمة حادة، إذ قطع سقوط مادورو شريان حياة بالغ الأهمية. فحوض أورينوكو لم يكن مصدرًا للأموال المغسولة فحسب - والتي تُقدّر بنحو 500 مليون دولار سنويًا - بل كان أيضًا مركزًا لوجستيًا لـ "الحرس الثوري" الإيراني و"حزب الله". وأشار الخبراء إلى أن إخراج القوات الأميركية السريع لمادورو من مخبئه أدّى إلى وضع القيادة الإيرانية في حالة تأهب قصوى، حيث يسارع المقرّبون من آية الله خامنئي إلى استدعاء عناصرهم وتفكيك معسكرات الإرهاب. وشدّد مصدر عسكري أميركي على أن انعكاس عملية "العزم المطلق" سيؤدّي إلى انهيار شبكات مقايضة الطائرات المسيّرة التي كانت تُزوّد "حماس" والحوثيين بمكونات حيوية، كما أن خسارة عائدات أميركا اللاتينية ستُجبر طهران على الاعتماد على طرق التهريب السورية غير المستقرّة.
وعلى مقلب روسيا، أشار مصدر في البنتاغون إلى أن "إهانة" موسكو لا تقلّ حدة. فقد فشلت دفاعاتها الجوية ومرتزقة "فاغنر" في منع العملية، فيما لفت مصدر في الخزانة الأميركية إلى أن الموالين لمادورو سيكشفون الآن تفاصيل عمليات تبييض الأموال التي قامت بها شركة "روسنفت" والتي ساهمت في تمويل حرب الرئيس فلاديمير بوتين في أوكرانيا. وأضاف المصدر أنه بالتوازي، فإن خطة الصين لتمويل النفط مقابل قروض بقيمة 60 مليار دولار في خطر، لافتًا إلى أن مشاريع مبادرة "الحزام والطريق" الضخمة ستخضع لتدقيق جنائي من قبل أي مجلس انتقالي جديد في فنزويلا.
وفي الشرق الأوسط، هزت ترددات عملية "العزم المطلق" وكلاء إيران. وقال دبلوماسي أميركي سابق إن "حزب الله" في لبنان والوكلاء الإيرانيين في كل المنطقة سيشعرون بالتأثير المباشر والمدمّر (most devastating). وأضاف أنه لسنوات، اعتمد "حزب الله" على دولة فنزويلا "الإجرامية" للالتفاف على العقوبات الغربية وتمويل عملياته. تدفقت الأموال والذهب والمخدرات عبر أميركا اللاتينية، ما غذى أنشطة "الحزب" في لبنان وخارجه.
الآن، ومع تجميد وزارة الخزانة الأميركية الأصول وانقطاع سلسلة الإمداد اللوجستي، تواجه قيادة "حزب الله" أزمة وجودية. وتشير معلومات استخباراتية إلى أن قادة "حزب الله" في بيروت أعلنوا حال الطوارئ. في هذا الإطار، أوضح مصدر في البنتاغون أن قدرة "حزب الله" على تحويل الأموال والمعدات توقفت، وبدأت العمليات في لبنان تتباطأ مع انهيار هذه الشبكة.
فجر جديد في فنزويلا
داخل فنزويلا، يسود جو من التفاؤل الحذر، فكاراكاس على أعتاب تحول جذري، إذ يمثل القبض الدرامي على مادورو نهاية حقبة تشافيزية دامت 27 عامًا، أغرقت خلالها أغنى دول أميركا اللاتينية بالنفط في خراب اقتصادي وكارثة إنسانية. وفيما يستعدّ مادورو لمواجهة الاتهامات بحقه، لفت مصدر دبلوماسي أميركي إلى أن العملية تعدّ أيضًا انتصارًا رمزيًا لزعيمة المعارضة ماريا كورينا ماتشادو، التي أعلنت "بزوغ فجر فنزويلا حرة".
تجدر الإشارة إلى أن العملية جاءت في أعقاب أشهر من الضغوط المتصاعدة. وقال خبير اقتصادي أميركي إن مؤسّسات فنزويلا تعاني من التآكل، مشيرًا إلى أن الفساد استنزف 300 مليار دولار منذ عام 2013. وقد أثمرت عملية "العزم المطلق" عن تحول سيؤدّي إلى تفكيك جهاز كارتيل "دي لوس سوليس"، ما يمكّن مصافي شركة PDVSA من زيادة الإنتاج في إطار شراكات مع شركات نفط أميركية، ويتوقع أن يتضاعف إنتاج النفط بحلول عام 2027 وأن ينخفض التضخم.
بالنسبة إلى الفنزويليين العاديين، يُمثل القبض على مادورو بصيص أمل بعد سنوات من المعاناة. وقد تعهّدت الولايات المتحدة بتقديم مساعدات إنسانية ودعم الانتقال الديمقراطي. وشدّد فريق ترامب على أن "أميركا على أتمّ الاستعداد للمساعدة في بناء فنزويلا حرّة ومزدهرة".
وفي واشنطن، يردد العديد من الجمهوريين بأن الحرية تتقدم، وأميركا في المقدمة. وأشار دبلوماسي سابق إلى أن سقوط مادورو يُعد "ضربة معلم" معززة بسياسة "أميركا أولًا" التي تبناها ترامب. ورأى أن نهج ترامب اتسم بالحزم الصريح، موضحًا أن إعادة تفعيل "عقيدة مونرو" هي واقع حيّ... وشدّد على أن واشنطن لن تسمح لأي قوة أجنبية أن تستخدم الأميركتين كمنصّة. في هذا الإطار، قال خبير في سياسة الأميركتين إن العملية الناجحة في القبض على مادورو أثبتت أنه لا يوجد حصن منيع أمام الاستخبارات الأميركية وعزيمتها. واعتبر أنه مع تفكك "محور الاستبداد"، يواجه العالم عهدًا جديدًا لا يُحدده الخوف، بل الحرية.