تركيا تتوثب لما بعد نفوذ إيران:سنخرج إسرائيل من سوريا ولبنان

تخرج تركيا إلى الساحة أكثر فأكثر. قالها الرئيس التركي رجب طيب أردوغان مجدداً، إن المظلومين والمتضررين ينظرون بأمل كبير إلى تركيا، من البلقان إلى الشرق الأوسط ومن القوقاز إلى أفريقيا، وقد ذكر بالتفصيل كلاً من بيروت، طرابلس، حلب، دمشق، غزة والضفة الغربية والقدس. يعلن أردوغان بذلك مشروعاً لمواجهة إسرائيل والتصدي لها، فأنقرة تنظر إلى الحروب الإسرائيلية المتواصلة، وتوسيع الاحتلالات تهديداً لأمنها القومي. لذلك ترسم تركيا خريطة تحركها، على قاعدة تحسين العلاقات مع دول المنطقة ككل، من إيران إلى لبنان، وبالتأكيد تعزيز العلاقة مع سوريا وتوفير الحماية والدعم لها، إلى جانب تطوير مسار العلاقات مع دول الخليج ومصر. بهذا التحرك أصبحت المنطقة بين مشروعين، مشروع إسرائيل، ومشروع تركيا بالتعاون مع دول عربية وإقليمية. 

 

التنسيق مع أوروبا

قبيل زيارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى أنقرة للمشاركة في قمة الناتو، كانت تركيا قد أعدت جيداً للزيارة، من خلال التنسيق مع دول أوروبية عديدة، ولا سيما لإقناع ترامب بأن نتنياهو وممارساته وكل السياسات الإسرائيلية القائمة على الحروب والتوسع، هي التي تساهم في زيادة الكراهية لدى العرب والمسلمين لأميركا، بسبب دعمها لهذه السياسات. تحدث أردوغان إلى جانب الأوروبيين بلغة واحدة مع ترامب، حول ضرورة حماية دول المنطقة، وحدودها في مواجهة الطموح الإسرائيلي بالتوسع أكثر وإذابة الحدود لصالح تكبير حدود دولة إسرائيل وهو ما سيؤدي إلى صراعات متناسلة لا تنتهي. 

 

نقل رسائل

ركز أردوغان على البحث مع ترامب والأوروبيين حول الملفين اللبناني والسوري، وضرورة إجبار إسرائيل على الانسحاب من جنوبي لبنان وسوريا. في المقابل، كان تركيز ترامب على البحث في كيفية تعاون تركيا مع أميركا بالملف الإيراني، علماً أن أنقرة تركز على مسألة الاحتواء وتجنب الحرب. وبحسب ما تكشف مصادر متابعة فإن أنقرة لا تزال تلعب دوراً في نقل الرسائل بين الأميركيين والإيرانيين سعياً للوصول إلى اتفاق. وما تعمل عليه أنقرة هو اتفاق بعيد المدى يتعلق بالملف النووي، وبترتيبات المنطقة ككل، مع شرط أساسي حول ضرورة تخلي إيران عن مشروعها الإقليمي القائم على دعم حلفائها عسكرياً ما يشكل تهديداً للدول التي ينشط حلفاء إيران داخلها، أي العراق، ولبنان، إضافة إلى التهديدات التي تشكلها هذه القوى على دول أخرى. 

 

بين العراق وسوريا

حصل أردوغان على ما يريده من ترامب في ملفات عديدة، أولاً من خلال حماية وتثبيت الاستقرار في سوريا وتوفير الدعم لها، وثانياً، من خلال الاتفاق على مسار لحصول تركيا على طائرات الـf35، وربما هناك بنود أخرى جرى التفاهم عليها. وفيما كان ترامب يضغط على الرئيس السوري أحمد الشرع للتدخل في لبنان، فإن تركيا ساعدت الشرع على تجنب هذه الضغوط، بينما عرض الشرع وأردوغان على ترامب مسألة تشديد الإجراءات على الحدود وضبطها بشكل كامل ومنع التهريب بأي شكل من الأشكال، وهو ما ترجم في الأيام الماضية بإلقاء القبض على شحنة الصواريخ والمسيرات المهربة من العراق باتجاه سوريا نحو لبنان، والتي كانت في صهريج نفط. كان الإعلان عن العملية إشارة واضحة إلى بدء الإجراءات التي تتخذها سوريا وبالتنسيق مع العراق لا سيما أن العلاقة العراقية السورية تشهد تطوراً واضحاً برعاية الأميركيين والأتراك. في مقابل ما حصل عليه أردوغان، لا بد من النظر إلى ما يريده ترامب منه، فهل سيكون ذلك مرتبطاً بإيران، أم بحلفائها في العراق أم حزب الله في لبنان؟ 

 

الرؤية حول لبنان

لا بد للتفاهمات التركية الأميركية أن تظهر أكثر في المرحلة المقبلة. ولكن، بحسب المعلومات، إن لبنان كان جزءاً أساسياً من المباحثات، وقد عرضت تركيا لرؤيتها حول ضرورة حماية لبنان من التوغل الإسرائيلي، وعدم حصول أي اقتتال داخلي فيه تستغله إسرائيل، كما أن أي انخراط سوري بالمشكلة اللبنانية سيؤدي إلى اقتتال لبناني سوري تستفيد منه تل أبيب أيضاً. وعرض أردوغان على ترامب المساعدة في لبنان، انطلاقاً من العلاقة مع إيران، والسعي لإقناع الإيرانيين كما حزب الله بالتخلي عن مسألة الاحتفاظ بالسلاح، والذهاب إلى تسويات سياسية. وهذا ما تستمر تركيا بالعمل عليه، وهي تؤكد أنها ستواصل ضغوطها لدفع إسرائيل للانسحاب من سوريا ومن لبنان. 

 

عناصر القوة في يد الدولة

تعمل تركيا أيضاً على تعزيز العلاقة مع الدولة اللبنانية، وهو ما سيترجم في زيارة رئيس الجمهورية جوزاف عون إلى أنقرة ولقائه أردوغان، عندها سيعلن أردوغان كل الاستعداد لدعم لبنان وتقديم المساعدات اللازمة للجيش اللبناني، كما أن الرئيس التركي سيبلغ نظيره اللبناني بأن سيعمل مع الأميركيين بقوة لدفع الإسرائيليين إلى الانسحاب من الأراضي السورية واللبنانية. ولكن الأهم هو أن تحرز الدولة اللبنانية تقدماً في مسار السيطرة على أراضيها وضبط الحدود، والتفاهم الداخلي للخروج من هذه الحالة القائمة، خصوصاً أن عصر السلاح خارج الدولة قد انتهى، وأنه يجب أن تسيطر الدولة اللبنانية على عناصر القوة، ولكن ذلك لا بد أن يتحقق من خلال انسحاب إسرائيل وعودة الناس إلى أراضيهم، وتؤكد تركيا أنها ستواصل مساعيها لتحقيق ذلك. 

 

باراك والتكامل

ما تسعى إليه تركيا هو نوع من التكامل بين دول المنطقة، وهو ما يعبر عنه أيضاً المبعوث الأميركي إلى سوريا والعراق توم باراك الذي يعتبر أن التكامل والتعاون بين هذه الدول، يساهم في نهضتها ويجعلها البديل عن مضيق هرمز. وهنا يكمن التنافس بين مشروع تركيا من جهة ومشروع إسرائيل من جهة أخرى. فإسرائيل تريد استخدام الضغط العسكري وتوسيع الاحتلال لدفع دول المنطقة إلى الاستسلام وخصوصاً سوريا ولبنان، كما أنها تريد استغلال ظروف الحرب القائمة في المنطقة، لدفع الكثير من الدول إلى التحالف معها تحت شعار البحث عن عناصر الحماية في مواجهة إيران، وبذلك تريد أن تكون هي قطب المنطقة، واعتبار دول المنطقة حليفة لها، وجعل نفسها روتردام الشرق الأوسط، وأن تكون المقر والمستقر والممر لكل طرق التجارة والنفط ومنها يتم التصدير نحو أوروبا. 

 

فراغ إيران

في المقابل فإن تركيا تريد مواجهة هذا المشروع الإسرائيلي، من خلال تعزيز العلاقات مع دول المنطقة، ووفق التقييمات التركية فإن "تمدد إسرائيل في سوريا ولبنان تحت مسمى "الحزام الأمني" قد يتحول إلى وجود دائم، ويؤثر مباشرة في أمن تركيا، بالتزامن مع تصاعد رغبة الاحتلال الإسرائيلي في إعادة تشكيل النظام الإقليمي بعد تراجع النفوذ الإيراني". هدف إسرائيل بالنسبة إلى تركيا هو السعي إلى مزيد من الأراضي، وتوسع الاحتلال لا يهدد الأراضي التي يتحرك داخلها فقط، بل يزعزع استقرار الدول المحيطة ويقترب من دوائر الأمن التركي. تعلم أنقرة أن ثمة فراغاً سينشأ بنتيجة تراجع النفوذ الإيراني، وهي تعتبر نفسها الأكثر تأهيلاً لملئه، نظراً للقدرات العسكرية التي تتمتع بها، والقوة الاقتصادية، والعلاقة الجيدة مع دول المنطقة، إضافة إلى علاقتها بالولايات المتحدة الأميركية وكعضو في حلف الناتو. هذا ما سيبقيها في صراع مستمر مع إسرائيل، وتبقى دول المنطقة مخيرة بالاختيار بينهما.