المصدر: المدن
الكاتب: خضر حسان
السبت 19 أيلول 2026 00:43:40
تخطّت أسعار البنزين والمازوت مستوى الـ30 دولاراً للصفيحة. ومع كل ارتفاع للأسعار، يعود إلى الواجهة سؤال حول كم يجب أن تبلغ تعرفة النقل، وخصوصاً لـ"السرفيس"، لما لذلك من انعكاس مباشر على حركة شريحة واسعة من الناس، من بينهم الطلاّب والموظفين. على أنّ هذا الجدل، غالباً ما ينحصر في تحديد رقم يمتصّ نقمة السائقين العموميين الذين يعلنون اعتصاماتهم بشكل رسمي أو غير رسمي.
لكن الجدل في هذا الملف لا يقف عند أي رقم، لأنّ المشكلة ليست قراراً داخلياً يمكن حصر تداعياته أو التراجع عنه، بل يرتبط بحركة عالمية لأسعار النفط. وبالتالي، بجملة من المتغيّرات التي لا يتحكّم بها لبنان. وحُكماً، لا يمكن لرقم ثابتٍ احتواء الأزمة. فهل تشهد التعرفة ارتفاعات متتالية بلا سقف؟.
تحديد التعرفة
قبل الارتفاع الأخير لأسعار المحروقات، كان السائقون يطالبون بتعديل التعرفة وبتقديم دعم مالي لهم، لاستيعاب الارتفاعات المتواصلة للأسعار، ربطاً بالغلاء المعيشي وارتفاع معدّل التضخّم، وراهناً الصعود العالمي لأسعار النفط. وللتخفيف من الثقل على السائقين، توصّل السائقون عبر اتحادات ونقابات قطاع النقل البري، إلى اتفاق مع الحكومة ووزارة المالية، في شباط الماضي، يقضي باعطاء السائقين 12 مليون ليرة شهرياً. ويساعد هذا المبلغ على إبقاء التعرفة عند حدود 300 ألف ليرة للراكب. إلاّ أنّ الاتفاق لم يُنَفَّذ وبقي وعداً يُرَحَّل شهراً بعد شهر، وصولاً إلى تحليق أسعار المحروقات وتراجع القدرة الشرائية للمبلغ المتّفَق عليه. ورغم ذلك، جدّد السائقون مطلبهم بهذا المبلغ. فأّكد رئيس الاتحادات بسام طليس أنّ "الاتفاق الذي تم التوصل إليه مع الحكومة بشأن مطالب السائقين يجب أن يُترجم إلى إجراءات عملية، محذراً من أن عدم تنفيذ الاتفاق سيؤدي إلى تحرك قطاع النقل البري وتصعيده".
وإلى حين تنفيذ الاتفاق، يبقى النقاش الأبرز والأسرع، هو تعديل التعرفة لتتناسب مع ارتفاع الأسعار. وحتى اللحظة، لم تعمد وزارة الأشغال العامة والنقل إلى تعديل التعرفة، لكن على أرض الواقع، بدأ الكثير من سائقي سيارات الأجرة إلى طلب 400 ألف ليرة كتعرفة للراكب، مع التأكيد على أنّ هذا الرقم مرجّح إلى الارتفاع قريباً على ضوء تصاعد أسعار المحروقات أسبوعياً.
وأشار عدد من سائقي السيارات العمومية في حديث لـ"المدن"، إلى أنّ التعرفة في الأصل "لم تكن تتناسب مع مستوى غلاء المعيشة والارتفاع المتواصل لأسعار المحروقات. لكن كان يمكن الركون إلى عدم تصعيد المطالبة بتعديل التعرفة، طالما أن ارتفاع أسعار المحروقات يحصل بوتيرة طفيفة، والسائقين يطالبون بالـ12 مليون ليرة. لكن مع الارتفاع الكبير في أسعار المحروقات وانتظار المزيد من الارتفاعات في الوقت القريب، لم يعد بالإمكان الانتظار".
وأكّد السائقون أنّ "رفع التعرفة بدأ يُطَبَّق عملياً قبل صدور ذلك رسمياً بالاتفاق بين الوزارة ونقابات النقل. فلم يعد بإمكان السائقين انتظار قرارات جهات رسمية لا تكترث لهموم المواطنين الذين أرهقتهم التكاليف التي تُدفَع منذ بداية النهار بين إيجارات المنازل وأكلاف المعيشة والمدارس والطبابة، وتضاف إليها زيادة الضرائب والرسوم التي ترتفع باستمرار".
ولفت السائقون النظر إلى أنّ "رفع التعرفة يصطدم أحياناً بامتعاض الركّاب من التعرفة الجديدة، انطلاقاً من أنّ الوزارة لم ترفعها رسمياً. وأيضاً هناك مَن يتفهّم ذلك، ربطاً بارتفاع الأسعار في مختلف المجالات، وأهمّها أسعار المحروقات". واعتبروا أنّ رفع التعرفة "لن يقابَل برفض الركّاب لأنهم يعرفون خلفية ذلك". ومع ذلك، فإنّ "تجاهُل الحكومة لمطالب السائقين ولضرورة إيجاد حلّ للغلاء المتواصل، يضع السائقين والركّاب في مواجهة غير معلنة بين بعضهم لأنّهم يدفعون الثمن من جيبهم الخاص. فالراكب يدفع للسائق، والسائق ملزَم بطلب الزيادة، والحكومة تتجاهل الأمر".
أبعد من التعرفة
تنطلق مطالب السائقين من تعديل التعرفة، إلاّ أنّ المشكلة أبعد من رقم يُضاف. فما يريده السائقون لا يقف عند التعرفة التي لا تواكب المتغيّرات. وبحسب السائقين، فإنّ التعرفة "تبقى ثابتة حتى عندما يتم رفعها رسمياً. فهي تستقرّ لفترة طويلة رغم تحرّك أسعار قطع الغيار والإطارات والزيوت وأسعار المحروقات والصيانة والتأمين وغير ذلك. وبالتالي، فإننا حين نطالب بتعديل التعرفة، فإننا نأخذ بالاعتبار باقي الأكلاف".
إلى جانب الأكلاف، فإنّ عدم ثبات أسعار الكثير من الأكلاف المرتبطة بالنقل وزيادة التضخّم، يطرح ضرورة إيجاد سياسة سياسة عامة للنقل، عوض الاكتفاء بقرارات متفرّقة حول التعرفة. والسياسة العامة تقتضي وضع خطة شاملة للنقل العام والخاص والشاحنات. وتحمي هذه السياسة الركّاب من الزيادة العشوائية للتعرفة وتحمي السائقين من تداعيات ارتفاع بعض عناصر التكلفة، وفي مقدّمها أسعار المحروقات. فالسياسة العامة تأخذ بالاعتبار تحرّك أسعار المحروقات محلياً وعالمياً.
وبغياب هذه السياسة، تبرز الفوضى، إن على مستوى التسعير، أو مستوى إطلاق الدولة وعوداً لا تستطيع تحقيقها، فضلاً عن تصعيد تحرّكات السائقين في الشارع، وما يتبع ذلك من عرقلة لحركة السير ولقدرة الناس على التحرّك في الشوارع والانتقال إلى أعمالهم.
وفي حال وجود السياسة العامة للنقل، نتتفي الحاجة لحسم الجدل المتعلّق بمَن يدفع ثمن غلاء الأسعار، الراكب أو السائق. ففي السياسات الموضوعة وفق معادلات واضحة، لا يصبح المعيار هو البحث عن رابح وخاسر في معركة النقل، وإنما يتحوّل المعيار إلى كيفية حماية السائق والراكب، انطلاقاً من أنّهم يدفعون سوياً كلفة الأزمات الاقتصادية وتصاعد الأسعار. وبموجب السياسو العامة، توضع التعرفة وفق أكلاف التشغيل، مع مراجعة دورية للأكلاف. على أن تتضمّن السياسة دعماً للسائقين، يأخذ بالاعتبار أماكن سكنهم وعملهم. وعلى سبيل المثال، يأخذ السائقون في الأماكن المرتفعة والوعرة، مساعدات محدّدة، قد تختلف عن السائقين في المدن الساحلية والمناطق غير المرتفعة. وبالتالي، يصبح الدعم أقل عبئاً على الخزينة العامة.
الشاحنات ونقل البضائع
في مسار تعرفة النقل، ومع أن تعرفة السرفيس تخطف الأنظار لارتباطها المباشر بالحياة اليومية للمواطنين، إلاّ أنّ قطاع الشاحنات يدخل في هذا الجدل، نظراً لارتباطه بنقل البضائع إلى الأسواق. وارتفاع أسعار المحروقات يصبّ مباشرة في رفع تعرفة نقل البضائع عبر الشاحنات. وتبدأ هذه الرحلة من المرفأ بعد وصول البضائع، ونقلها إلى المستودعات، ومنها إلى مرحلة التوزيع على المناطق. وانطلاقاً من أسعار المحروقات بشكل مباشر وتكلفة قطع الغيار والصيانة بشكل موازٍ، فإنّ رفع تعرفة النقل سيجد طريقه في النهاية إلى كلفة السلع والخدمات التي يدفعها المستهلك.
وفي الربط بين تعرفة السرفيس وتكلفة النقل عبر الشاحنات، تصبح صورة تعرفة النقل أوسع، إذ تأخذ بُعداً اقتصادياً أشمل. ولذلك، فإنّ تعرفة النقل ليست مجرّد سعر، بل بشكل أعمق، هي إحدى مكوّنات الأسعار في الاقتصاد.
المواجهة تريح الدولة
بين تعرفة السرفيس وكلفة النقل في الشاحنات، تبقى المطالبة بتصحيح التعرفة ووضع آليات تحمي السائقين والركاب من المتغيّرات المفاجئة، أمراً ضرورياً. لكن في ظل تنصّل الدولة من مسؤولياتها تجاه السائقين والركاب، تصبح "المعركة" بين الركاب والسائقين، مخرجاً مناسباً للدولة عوض تحمّل مسؤوليتها. فتترك الصراع على رقم للتعرفة، يُحَل بتثبيت سعر يؤجِّل الانفجار إلى وقت لاحق.
تبدو المعادلة مستحيلة، فإيجاد تعرفة "عادلة" غير وارد في ظل التغيّر السريع لأسعار النفط عالمياً وانعكاسها على أسعار المحروقات محلياً، والذي يمتزج مع الأزمة الاقتصادية. ولأنّ الحلّ الحسابي لا يُنهي الجدل بالشكل المطلوب، فإنّ خلاصة الأمر، هي رفع تعرفة النقل بشكل مباشر، ليُدفَع الثمن من قِبَل الراكب والسائق على حدّ سواء. فالأوّل يدفع الرقم الجديد مباشرة، والثاني يدفعه بشكل غير مباشر عبر الأكلاف المرتفعة. ويبدو ذلك كحلّ حسابي، فيما المطلوب إيجاد نظام جديد لإدارة الكلفة التي ستتغيّر باستمرار.