تفاهم أميركا – إيران: أوقفَ الحرب ومدّد الأزمات!

لن تظهر نتائج راسخة من بنود مذكرة التفاهم الأميركية – الإيرانية قبل مرور فترة سيكتشف خلالها وبعدها العالم، وبالأخص منطقة الشرق الأوسط، الآثار الفعلية لما تم التفاهم في شأنه بين الولايات المتحدة وإيران من دون أن يتم أخذ مصالح دول المنطقة  في الاعتبار. فالنص الذي أماط البيت الأبيض اللثام عنه يوم الأربعاء، صيغت بنوده الـ14 كلها بلغة عامة على شكل عناوين، وكلها تحتمل أكثر من تفسير وتأويلات عدة. هذه هي "خلطة" الرئيس دونالد ترامب لطي صفحة الحرب مع إيران. والواقع أنها تعكس رغبة لديه في التخلص من حرب كان يراها مكلفة له سياسياً، لاسيما في سنة انتخابية بامتياز.

والأهم أن ترامب الذي يتحدث دائماً بلغة المكاسب المالية السريعة، قال في مؤتمر صحافي في مدينة إيفيان الفرنسية حيث عقد اجتماع الدول السبع الصناعية الكبرى ما معناه أن " إيران هي حيث يوجد المال"! أي أنه لا يتحدث بالجيوسياسية بل يغلّب فكرة جني الأموال بسرعة. ولكنه يترك المنطقة في حالة من الذهول باستبعاده كل البنود الرئيسية التي شكلت الأساس لاتخاذه قرار الذهاب إلى الحرب، تاركاً بنداً مبهماً خاضعاً للتفاوض، ألا وهو البرنامج النووي الإيراني فيما فتحت مزاريب المال على إيران بشكل فوري. فكل ما يهم المنطقة من أخطار يمثلها النظام الإيراني جرى التعامي عنه بشكل شبه كامل، وأخرج ترامب نفسه من حرب، عابراً فوق شريكته فيها إسرائيل التي بات عليها أن تواجه ضغطاً أميركياً من أجل الانسحاب من الجنوب اللبناني، وتسليم "راية" نزع سلاح "حزب الله" إلى الحكم السوري الجديد. 

 

أشعل المنطقة وغادرها
 

هذا يعني أن ترامب جاء إلى المنطقة وأشعلها، ثم غادرها من دون أن يطفئ الحرائق التي خلفها وراءه. ولعل إشارته من إيفيان إلى أن مسألة الصواريخ الباليستية التي تهدد المنطقة ستكون متروكة لمفاوضات بين إيران ودول المنطقة هي إشارة إلى أنه تجاوز حلفاءه وقفز نحو "الصفقة" مع إيران "حيث يوجد المال"! حتى إنه لم يعبأ بآراء عدد كبير من مستشاريه أو المسؤولين العاملين معه المعارضين لهذه "الصفقة"، لا بل إنه ذهب إلى حد نعت من يعارضونها بالأغبياء!

ما تقدم يعني أن الرئيس الأميركي، ورغم قوله إن خيار العودة إلى الحرب لا يزال على الطاولة في حال لم تقم إيران بتنفيذ ما اتفق عليه، ليس واقعياً، فقد قفز إلى موقع آخر مختلف تماماً عن الموقع الذي كان يقف عنده في مطلع العام الجاري مع بدء موجة الاحتجاجات الشعبية في إيران التي قمعها النظام بعدما أغرقها بالدم. إذاً، فإن الرهان على أن ترامب سيعدل من تموضعه بالنسبة إلى هذه الصفقة التي أقل ما يقال عنها إنها ضعيفة جداً وتصب بمعظم بنودها في مصلحة النظام الإيراني على حساب المنطقة بأسرها. ومن هنا صعوبة تقبّل المنطقة بشكل عام هذه المذكرة مع أنها تنهي حالة الحرب التي أنهكت الجميع من دون استثناء. فاستمرار الحرب وحالة اللاحرب واللاسلم ما كان يمكن إلا أن يرهقا دول المنطقة على مختلف الصعد. ولذلك نقول إن إنهاء الحرب هو الإنجاز الأهم. لكن القضية تبقى شديدة التعقيد لأن ما تركته الصفقة من مشاكل وأزمات من دون معالجة جدية كبير جداً. أي أن الصفقة علقت بشكل موقت مجموعة من الأزمات وجرى ترحيلها إلى أجل غير مسمى.

أين عناوين إعلان الحرب؟
 
فالعناوين الأربعة التي شن بموجبها الرئيس ترامب حرباً على إيران بالتحالف مع إسرائيل، كانت واضحة جداً. أولها إنهاء البرنامج النووي الإيراني، وثانيها وضع قيود كبيرة على برنامجي الصواريخ الباليستية التي تهدد المنطقة وصولاً إلى أوروبا ضمن قطر يصل إلى 4500 كلم دائري، والمسيرات البعيدة المدى التي تهدد المحيط حتى 3000 كلم دائري، وثالثها قطع شرايين العلاقة بين إيران ووكلائها في المنطقة لمصلحة تقوية دول المنطقة. وأخيراً دفع النظام الإيراني إلى تغيير سلوكه في الداخل بعد المجزرة التي اقترفها في شهر كانون الثاني/يناير في عشرات المدن على امتداد مساحة إيران. 


انطلاقاً مما تقدم نقول إن من السابق لأوانه الحديث عن اتفاق جيد لسبب جوهري، ألا وهو أن كل القضايا الرئيسية التي تهم المنطقة ويشكل حلها أساساً لاستقرارها بقيت معلقة إلى ماشاء الله! فلننتظر ونر…