تفويض مفتوح للجيش الإسرائيلي وأوامر إخلاء لمدن لبنانية بأكملها.. إسرائيل تنتقل إلى مرحلة "التهجير الكبير"

حملت الساعات الماضية تحولاً دراماتيكياً في الاستراتيجية العسكرية الإسرائيلية تجاه لبنان، حيث انتقلت تل أبيب من توجيه تحذيرات لإفراغ بلدات وقرى في الجنوب اللبناني، إلى إصدار أوامر إخلاء شاملة لمدن بأكملها وفي مقدمتها مدينة صور.

وأسهم توسيع رقعة التهجير القسري بشكل مباشر في زيادة احتمالات عودة اشتعال المواجهة الإيرانية الإسرائيلية مجددا، خاصة في ظل استمرار الغارات الإسرائيلية على لبنان، والتي أعادت خلط الأوراق، وأطاحت بالمساعي الدبلوماسية الحثيثة التي بذلتها واشنطن طوال اليومين الماضيين لإرساء هدنة مستدامة. 

معادلة واشنطن الجديدة
وكانت الإدارة الأمريكية ركزت جهودها لإنهاء جولات القصف المتبادل بين إسرائيل وإيران، عبر صياغة معادلة أمنية تفصل كلياً بين الجبهة اللبنانية والعمق الإيراني.

إلا أن تكثيف تل أبيب لضرباتها، وتجاوزها الخطوط الحمراء بإفراغ الحواضر الكبرى في الجنوب، بات يدفع طهران مجدداً نحو الرد عسكرياً؛ الأمر الذي يهدد بإعادة إشعال دائرة الهجمات المباشرة بين الطرفين، وربط الجبهتين اللبنانية والإيرانية في سياق تصعيدي واحد يتجاوز حدود السيطرة التقليدية ليدخل المنطقة في نفق مظلم من الحسابات الصعبة.

غارات إسرائيلية غير مسبوقة
وتتقاطع قراءات مصادر سياسية ودبلوماسية في بيروت خلال الساعات الثماني والأربعين الماضية عند مخاوف حقيقية من أن كثافة الغارات الإسرائيلية غير المسبوقة، والتلويح بشن هجمات تلقائية ومباشرة ضد العاصمة اللبنانية بيروت وضاحيتها الجنوبية دون العودة للمستوى السياسي في تل أبيب، يفرغان تلك الجهود الدبلوماسية من مضمونها السيادي تماماً.

وتشير المصادر اللبنانية، في حديثها لـ"إرم نيوز"، إلى أن تصاعد الهجمات في اليومين الماضيين بدّد بالكامل الرهانات على التهدئة المؤقتة التي روجت لها أطراف دولية، مؤكدة أن استهداف الضاحية ومحيط النبطية والمناطق الحيوية يهدف إلى فرض إملاءات أمنية معقدة تحت النار، مستغلة حالة العجز السياسي الداخلي عن مواكبة هذا التدحرج الميداني السريع وضغوط الأزمة المستمرة. 

تفويض مفتوح للجيش الإسرائيلي
وترى المصادر اللبنانية أن خطورة التفويض الممنوح لقيادة الجيش الإسرائيلي تكمن في تحويل العاصمة اللبنانية ومؤسساتها الدستورية إلى رهينة لتفسيرات القادة الميدانيين لمفهوم الخرق الأمني والتهديد الميداني؛ وهو ما ينزع عن مسارات التفاوض أي صفة دبلوماسية شرعية ويحولها إلى غطاء للابتزاز العسكري المتواصل والضغط السياسي المباشر.

وتلفت المصادر ذاتها، الانتباه إلى أن السلوك الإسرائيلي الأخير يتجاوز بشكل صارخ نص وروح القرارات الدولية، لاسيما القرار 1701، ويسعى إلى فرض منطقة عازلة موسعة تمتد إلى ما وراء الخط الأصفر؛ ما يعني عملياً قضم المزيد من الأراضي وتفكيك عناصر السيادة اللبنانية جهاراً وضرب البنية اللوجستية للدولة.

وكانت إسرائيل ترجمت تهديداتها بسلسلة من الضربات المكثفة التي لم تعد تقتصر على مراكز نفوذ حزب الله، بل امتدت لتطال ركائز الاستقرار الوطني عبر استهداف مباشر لآلية عسكرية تابعة للجيش اللبناني في منطقة النبطية؛ ما أسفر عن مقتل ضابطين وجندي من عناصر القوة الوطنية.

وتقرأ المصادر اللبنانية هذا الاستهداف بالتحديد، كرسالة مشفرة وبالغة الخطورة من تل أبيب تهدف إلى تقويض أي دور مستقبلي مقترح للمؤسسة العسكرية اللبنانية في ضبط الأمن بالمناطق الحدودية، وإفشال الترتيبات المتعلقة بنشر القوات الشرعية لإرساء الاستقرار؛ ما يفتح الباب أمام الفوضى الأمنية الشاملة ويحرم الدولة من فرض هيبتها وسيطرتها على الأرض.

هشاشة الوساطة الأمريكية
ويعكس التدهور المتسارع خلال اليومين الماضيين الهشاشة البنيوية للوساطة الأمريكية التي حاولت تسويق صيغة معزولة لحل الأزمة، ويتزامن مع تصاعد التجاذبات والحسابات السياسية الداخلية في إسرائيل مع اقتراب انتخابات الكنيست، حيث يندفع قادة اليمين لتبني مواقف بالغة التشدد واستعراض القوة العسكرية لكسب الأصوات الانتخابية الحيوية.

وفي المقابل، فإن تشابك الجبهات الإقليمية يعيد فرض نفسه كعائق أساسي أمام أي تسوية؛ إذ ترفض طهران التخلي عن ورقة الجبهة اللبنانية وتوظيفها في حسابات التفاوض الأوسع مع واشنطن بشأن العقوبات الاقتصادية والأصول المالية المجمدة؛ ما يجعل من أي هجوم إسرائيلي مرتقب على بيروت صاعق تفجير مباشر لردود فعل متبادلة تضع المنطقة بأسرها على حافة حرب مفتوحة عابرة للحدود والساحات المترابطة.

وفي هذا السياق تؤكد مصادر دبلوماسية، أن المحاولات المتكررة لفرض قواعد اشتباك جديدة من طرف واحد ستؤدي بالضرورة إلى استعصاء الحلول السياسية، كونها تتجاهل التوازنات الميدانية المعقدة على الأرض.

تقديرات لحظية للتصعيد
وتوضح المصادر في حديثها لـ"إرم نيوز"، أن حصر خيارات الرد بيد القادة العسكريين في الميدان دون مراجعة المستوى السياسي يسقط أي إمكانية للجم التصعيد عبر الوساطات الطارئة، إذ تصبح وتيرة الحرب رهينة للتقديرات اللحظية والانفعالات الميدانية، وهو ما تخشاه القوى الدولية التي تحذر من خروج الأمور عن السيطرة وانزلاق الجبهات نحو مواجهة شاملة لا يمكن التنبؤ بنهايتها.

وأمام هذا المشهد القاتم، تجد الدولة اللبنانية نفسها أمام معضلة حقيقية تتجاوز القدرة على المناورة السياسية، حيث يتطلب الموقف صياغة استراتيجية وطنية موحدة للتعامل مع التهديدات المباشرة للعاصمة، في وقت تعاني فيه المؤسسات الرسمية من تصدعات داخلية وانقسامات حادة حول مقاربة ملف الصراع والاتفاقات الأمنية المطروحة.

وفي ضوء المعطيات السابقة، فإن الساعات القادمة ستكون حاسمة في تحديد المسار المستقبلي، فإما أن تنجح الضغوط الدولية الأخيرة في كبح هذا التوجه الإسرائيلي وإعادة إحياء المسار الدبلوماسي، أو أن المنطقة ستكون على موعد مع جولة جديدة من العنف المتبادل تتجاوز في خطورتها كل ما شهدته الأسابيع الماضية من تصعيد وتدمير متبادل.