تقرير أميركي: مخاوف متصاعدة من "نموذج غزّة" في جنوب لبنان

حذّر تقريرٌ لشبكة "NBC News" الأميركيّة من تزايد المخاوف من سعي إسرائيل إلى استنساخ "نموذج غزّة" في جنوب لبنان، في ظلّ دمارٍ واسع النطاق تُظهره صور الأقمار الصناعيّة، وتعزيزٍ متواصلٍ للوجود العسكريّ الإسرائيليّ في المنطقة.

وأشار التقرير إلى أنّ إسرائيل عزّزت عددًا من قواعدها العسكريّة في جنوب لبنان، بالتزامن مع انضمام مزيدٍ من القوّات إلى العمليّات البرّيّة، ما يُفاقم القلق بشأن مصير السكّان. ولفت إلى تدمير جسورٍ ومنازل، ونزوح أكثر من مليون شخص، فضلًا عن خططٍ لفرض سيطرةٍ إسرائيليّةٍ على مساحاتٍ واسعةٍ من الأراضي لمدّةٍ غير محدّدة.

وأوضح أنّ التحذيرات تتصاعد من توجّه إسرائيل إلى محاكاة هجومها في جنوب لبنان لعمليّاتها العسكريّة الطويلة والدامية في غزّة، في وقتٍ أظهرت فيه صورُ أقمارٍ صناعيّةٌ تسارعَ وتيرة الدمار في الجنوب، وازدياد عدد القواعد العسكريّة الإسرائيليّة المُنشأة هناك. ووصف عاملون في المجال الإنسانيّ الوضع بأنّه يتدهور بسرعةٍ من دون أفقٍ واضحٍ لنهايته، عقب إعلان وزير الأمن الإسرائيليّ، إسرائيل كاتس، هذا الأسبوع، عزم بلاده إقامة "منطقة أمنيّة" في جنوب لبنان والسيطرة على معابر نهريّةٍ رئيسيّة، ما يترك مئات آلاف السكّان في حالة نزوحٍ مفتوح الأمد.

ووفق التقرير، شبّه كاتس الهجوم الإسرائيليّ في جنوب لبنان بعمليّات بلاده في بعض أكثر مناطق قطاع غزّة دمارًا، بما في ذلك مدينة رفح الحدوديّة التي تحوّلت إلى أنقاضٍ إلى حدٍّ كبيرٍ خلال هجومٍ استمرّ أكثر من عامين. كما حذّر من أنّ العائلات النازحة لن تتمكّن من العودة إلى منازلها قبل ضمان أمن سكّان شمال إسرائيل من هجمات "حزب الله" المدعوم من إيران.

وفي هذا السياق، وسّعت إسرائيل عمليّاتها العسكريّة في الجنوب، إذ أعلن الجيش الإسرائيليّ، الخميس، إرسال مزيدٍ من القوّات للمشاركة في الهجوم البرّيّ بهدف توسيع "المنطقة الأمنيّة". وأوضح أنّ الفرقة 162 "بدأت أنشطةً برّيّةً محدّدةً ضدّ أهدافٍ إضافيّة"، إلى جانب الفرقتين 91 و36.


دمارٌ متصاعدٌ وحصيلةُ قتلى آخذةٌ في الارتفاع
وأفاد التقرير بأنّ صور أقمارٍ صناعيّةٍ راجعتها شبكة "NBC News" تُظهر تعزيز خمس قواعد عسكريّة إسرائيليّة أُنشئت خلال توغّلاتٍ سابقةٍ في جنوب لبنان، سواء قبيل الحرب الحاليّة أو خلالها، مع ظهور ما يبدو أنّها دبّاباتٌ في عدّة مواقع.

وفي الوقت نفسه، بدا أنّ ما لا يقلّ عن سبعة جسورٍ فوق نهر الليطاني، تربط الجنوب ببقيّة البلاد، تعرّضت لضرباتٍ إسرائيليّةٍ خلال الشهر الماضي، وفقًا لصور الأقمار الصناعيّة ولقطاتٍ متداولةٍ على وسائل التواصل الاجتماعيّ. وكان كاتس قد قال إنّ هذه المعابر تُستخدم من قِبل عناصر "حزب الله" للتنقّل بين الشمال والجنوب ولنقل الأسلحة.

كما حذّرت منظّماتٌ إنسانيّةٌ من تدمير أحياءٍ سكنيّةٍ كاملة، مع تصاعد القلق إزاء حجم الدمار وارتفاع عدد الضحايا في لبنان. ودعا الأمين العامّ للأمم المتّحدة، أنطونيو غوتيريش، إلى عدم تكرار "نموذج غزّة" في لبنان، مطالبًا كلًّا من "حزب الله" وإسرائيل بوقف الأعمال العدائيّة. ولم يصدر تعليقٌ فوريٌّ من الجيش الإسرائيليّ على دعوته، وفق التقرير.

وأضاف التقرير أنّ الهجوم الإسرائيليّ على غزّة، الذي استمرّ أكثر من عامين عقب هجمات 7 أكتوبر/ تشرين الأوّل 2023 التي قادتها "حماس"، خلّف دمارًا واسعًا في القطاع، مع مقتل أكثر من 70 ألف شخصٍ وإصابة آلافٍ آخرين، وفق وزارة الصحّة في غزّة. وعلى الرغم من وقف إطلاق النار، لا تزال الضربات المتقطّعة مستمرّة، مع استمرار ارتفاع عدد القتلى.

وأشار إلى أنّ القوّات الإسرائيليّة لا تزال تحتفظ بوجودٍ في أجزاءٍ من القطاع، ضمن "منطقةٍ عازلة" تُشكّل نحو نصف مساحته. وبينما تنصّ خطّة السلام التي طرحها الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب على انسحابٍ إسرائيليٍّ لاحقٍ بعد نزع سلاح "حماس"، كان كاتس قد أشار إلى أنّ القوّات ستبقى في هذه المناطق الأمنيّة حتّى بعد انتهاء الحرب. وبذلك، يبقى مستقبل غزّة غامضًا، في ظلّ تعثّر جهود إعادة الإعمار وإنهاء النزاع بصورةٍ دائمة.

ولفت التقرير إلى أنّ إسرائيل تدافع عن حملتها في غزّة، رغم اتّهامات لجنةٍ تابعةٍ للأمم المتّحدة لها بارتكاب إبادةٍ جماعيّة، ونظرِ محكمة العدل الدوليّة في القضيّة، مؤكّدةً أنّ عمليّاتها تستهدف "حماس" بالرغم من  الخسائر المدنيّة الكبيرة.
كما نقل عن غوتيريش قوله إنّ الهجوم الإسرائيليّ "دمّر مناطق مدنيّة" في جنوب لبنان، حيث أعلن أكثر من مليون شخصٍ نزوحهم داخليًّا، فيما قُتل أكثر من ألف شخصٍ منذ استئناف القتال بين إسرائيل و"حزب الله" في وقتٍ سابقٍ من هذا الشهر، بحسب بيانات الحكومة اللبنانيّة.

"لا مكان آمنًا"
في المقابل، أعلنت إسرائيل توسيع عمليّاتها العسكريّة، مع انضمام مزيدٍ من القوّات إلى الهجوم البرّيّ في جنوب لبنان، بهدف توسيع "المنطقة الأمنيّة".
ونقل التقرير عن الدكتورة تانيا بابان، مديرة منظّمة "ميدغلوبال" غير الربحيّة في لبنان، ومقرّها شيكاغو، قولها إنّ العائلات تتعرّض للنزوح المتكرّر نتيجة أوامر الإخلاء والضربات الإسرائيليّة.

وأضافت، في تسجيلٍ صوتيٍّ من بيروت: "ما يجعل هذه الأزمة صعبةً بشكلٍ خاصّ هو سرعة الضربات وعدم قابليّتها للتنبّؤ، إذ تقع خارج المناطق التي نعرف أنّها خطرة".

وتابعت: "يكاد لا يكون هناك مكانٌ آمنٌ، وأين رأينا هذا من قبل؟"، في تكرارٍ لعبارةٍ استخدمها مرارًا سكّان غزّة.

وأشار التقرير إلى أنّ القوّات الإسرائيليّة كانت قد أطلقت هجومها في لبنان بعد أن بدأ "حزب الله" إطلاق صواريخ باتجاه إسرائيل ردًّا على هجومها على إيران، ضمن عمليّةٍ أميركيّةٍ - إسرائيليّةٍ أسفرت عن مقتل المرشد الأعلى الإيرانيّ آية الله علي خامنئي، وأشعلت صراعًا أوسع في المنطقة.

ومنذ ذلك الحين، تصاعدت المخاوف من احتلالٍ طويل الأمد، وسط دعواتٍ صريحةٍ من بعض المسؤولين، بينهم وزير الماليّة الإسرائيليّ اليمينيّ المتطرّف بتسلئيل سموتريتش، لفرض سيطرةٍ دائمةٍ على المناطق الواقعة جنوب نهر الليطاني، بدعوى تحقيق مكاسب أمنيّة.

وذكّر التقرير بأنّ إسرائيل كانت قد احتلّت جنوب لبنان حتّى عام 2000، وشنّت خلال العقود الماضية هجماتٍ متكرّرةً على المنطقة، مستهدفةً "حزب الله"، الذي تأسّس في ثمانينيّات القرن الماضي خلال فترة الاحتلال الإسرائيليّ، ردًّا على هجمات منظّمة التحرير الفلسطينيّة.
كما أشار إلى أنّ الحكومة اللبنانيّة كانت قد تعهّدت في العام 2024 بنزع سلاح "حزب الله" في إطار مساعٍ برعاية الأمم المتّحدة لإنهاء القتال، إلّا أنّه لم يتحقّق منذ ذلك الحين أيّ تقدّمٍ يُذكر، فيما أعلنت الحكومة، في وقتٍ سابقٍ من هذا الشهر، حظر الأنشطة العسكريّة للحزب.

القانون الإنسانيّ
وفي الجانب الحقوقيّ، حذّر خبراءُ حقوق إنسانٍ من احتمال انتهاك إسرائيل للقانون الدوليّ في هجومها على جنوب لبنان.
ونقل التقرير عن كينيث روث، المدير التنفيذيّ السابق لمنظّمة "هيومن رايتس ووتش"، قوله إنّ "القانون الإنسانيّ الدوليّ يحمي الأعيان المدنيّة ما لم تُستخدم لأغراضٍ عسكريّة"، مضيفًا أنّه "لا توجد مؤشّراتٌ على أنّ حزب الله يستخدم المنازل العديدة التي تقوم إسرائيل بتدميرها".

وتابع روث: "يبدو أنّ إسرائيل تواصل نهجًا اتّبعته في غزّة، يقوم على تدمير مساحاتٍ واسعةٍ من المنازل لإنشاء مناطق عازلةٍ يمكنها السيطرة عليها".

كما أشار التقرير إلى أنّ "هيومن رايتس ووتش" اتّهمت إسرائيل باستخدام ذخائر الفوسفور الأبيض فوق مناطق سكنيّةٍ في جنوب لبنان، وهو ما نفاه الجيش الإسرائيليّ، مؤكّدًا امتلاكه قذائفَ دخانيّةً تحتوي على نسبةٍ من الفوسفور الأبيض، وهي، بحسب قوله، قانونيّةٌ بموجب القانون الدوليّ.