المصدر: الراي الكويتية
الثلاثاء 5 أيار 2026 00:29:48
عزز الكرملين بشكل كبير الإجراءات الأمنية الشخصية حول الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، وقام بتركيب أنظمة مراقبة في منازل المقربين منه، في إطار تدابير جديدة جاءت استجابة لموجة اغتيالات لشخصيات عسكرية روسية كبيرة، ومخاوف من وقوع انقلاب محتمل، بحسب تقرير صادر عن وكالة استخبارات أوروبية، حصلت عليه شبكة «سي إن إن».
ويشير التقرير إلى أنه تم منع الطهاة والحراس الشخصيين والمصورين العاملين مع زعيم الكرملين من استخدام وسائل النقل العام. كما يلزم بخضوع زواره لفحصين أمنيين، ولا يمكن لأولئك الذين يعملون بالقرب منه استخدام سوى الهواتف التي لا يتوافر فيها الإنترنت.
وتابع التقرير أنه تم تطبيق بعض هذه الإجراءات بعد اغتيال جنرال بارز في ديسمبر الماضي، وهو ما أثار خلافاً في صفوف القيادة العليا للمؤسسة الأمنية الروسية.
وأضاف أن مسؤولي الأمن قلصوا بشكل كبير عدد المواقع التي يزورها بوتين، بانتظام. حيث توقف هو وعائلته عن الذهاب إلى مساكنهم المعتادة في منطقة موسكو، وفي فالداي، وهو مقر إقامة الرئيس الصيفي المنعزل، والذي يقع بين مدينة سان بطرسبورغ والعاصمة موسكو.
ويشير التقرير إلى أن بوتين، لم يقم بزيارة أي منشأة عسكرية هذا العام حتى الآن، رغم رحلاته المنتظمة في 2025. ويضيف أنه من أجل التغلب على هذه القيود، ينشر الكرملين صوراً مسجلة مسبقاً له للجمهور.
ومنذ غزو أوكرانيا عام 2022، يقضي الرئيس أيضاً أسابيع في كل مرة في مخابئ مطورة، غالباً في كراسنودار، وهي منطقة ساحلية متاخمة لحدود البحر الأسود على بعد ساعات من موسكو.
ويأتي التقرير، الذي شاركه مصدر مقرب من وكالة استخبارات أوروبية، مع «سي إن إن» ووسائل إعلام أخرى في وقت يتزايد فيه تدارك الكرملين للأزمة، بعد 4 سنوات من الحرب المأسوية.
فالخسائر الروسية، التي تقدرها الدول الغربية بنحو 30 ألف قتيل وجريح شهرياً، إلى جانب المكاسب الإقليمية المحدودة على خط المواجهة، والهجمات المتكررة بطائرات من دون طيار من جانب أوكرانيا في عمق روسيا، رفعت محصلة ضحايا الصراع إلى مستوى يعتقد الكثيرون أنه لا يمكن تحمله.
وأصبحت التكلفة الاقتصادية للحرب ملموسة حالياً، حيث تثير انقطاعات بيانات الهاتف المحمول التي تضرب المدن الكبرى بشكل منتظم الغضب حتى لدى النخبة البرجوازية المؤيدة لبوتين، ما يزيد من الشعور بأن الحرب بدأت تضر بالنخبة الحضرية، التي كانت حتى الآن معزولة إلى حد كبير عن تأثير الغزو.
ويقدم التقرير تفاصيل نادرة حول مخاوف موسكو في شأن تدهور الأمن الداخلي. كما يسلط الضوء على تفاصيل محتملة محرجة حول الخلاف الشديد داخل القيادة الأمنية والعسكرية في شأن هوية المسؤولين عن حماية كبار القادة، هو أمر يوضح التقرير، انه دفع إلى مراجعة البروتوكولات الخاصة ببوتين، وتوسيع نطاق مستوى الحماية الشخصية ليشمل 10 قادة كبار آخرين.
خطر الانقلاب
ويورد التقرير انه منذ بداية مارس 2026، أعرب الكرملين، وبوتين، نفسه عن قلقهما إزاء احتمالية تسريب معلومات حساسة، بالإضافة عن خطر وقوع مؤامرة أو محاولة انقلاب تستهدف الرئيس الروسي. وهو يحذر بشكل خاص من استخدام الطائرات من دون طيار في محاولة اغتيال محتملة لأعضاء النخبة السياسية.
لكن الاستنتاج الأكثر إثارة للدهشة يتعلق بصديق بوتين، السابق، سيرغي شويغو.
ويزعم التقرير أن وزير الدفاع السابق الذي تم تهميشه، حيث يتولى حالياً منصب أمين مجلس الأمن، «يرتبط بخطر وقوع انقلاب، لأنه يحتفظ بنفوذ كبير داخل القيادة العسكرية العليا».
وأضاف التقرير أن اعتقال نائب شويغو السابق وشريكه المقرب، رسلان تساليكوف، في 5 مارس يعتبر «انتهاكاً لاتفاقيات الحماية الضمنية بين النخب، ما يضعف شويغو ويزيد من احتمالية أن يصبح هو نفسه هدفاً لتحقيق قضائي».
وذكرت لجنة التحقيق الروسية في مارس الماضي، أنه تم اعتقال تساليكوف بتهم تتعلق بالاختلاس وغسل الأموال والرشوة.
وتتكرر التقارير عن الفساد في صفوف النخبة العسكرية، لكنها تضاعفت منذ بدء الغزو الأوكراني.
ولا يقدم التقرير أدلة تدعم الادعاءات الموجهة ضد شويغو، الذي كان يُنظر إليه في السابق على أنه مقرب للغاية من بوتين، ومن شأن أي محاولة للإطاحة بالرئيس الروسي أن تمثل تحولاً كبيراً في الولاء.
ونظراً لأن نشر التقرير قد يكون بهدف زعزعة استقرار الكرملين، فمن الجدير بالذكر أن جهاز الاستخبارات الأوروبي من شأنه في الوقت نفسه أن يكون قد أنذر الكرملين فعلياً من انقلاب محتمل.
ونجا بوتين، من محاولة انقلاب سابقة في يونيو 2023، عندما قاد زعيم مرتزقة «فاغنر» يفغيني بريغوجين مسيرة فاشلة نحو موسكو.
وغالباً ما تكون النزاعات الداخلية بين النخبة في موسكو موضع تكهنات واسعة، ولكن نادراً ما يتم الكشف عنها. وفي خضم غزو أوكرانيا، ومع تضاؤل الدعم الأميركي لكييف، فإن وكالات الاستخبارات الأوروبية لديها دوافع كبيرة للإشارة إلى تصاعد الصراع وجنون العظمة في الكرملين.
فطبيعة هذه المعلومات الاستخباراتية تجعل من التحقق من بعض التفاصيل أمراً صعباً. وتواصلت «سي إن إن» مع الكرملين للحصول على تعليق.
وسبق الإعلان عن اتخاذ بعض الإجراءات الأمنية المتعلقة ببوتين، أو كان من المفترض على نطاق واسع أنه تم اتخاذها، بما في ذلك عمليات التفتيش الجسدي المكثفة، وتجنب الكرملين استخدام الهواتف الذكية، وتقييد تحركات الرئيس.
ولايزال بوتين، يظهر علناً بشكل منتظم، حيث التقى أخيراً، الزعيم الشيشاني رمضان قديروف، ووزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي.
وبدأ بوتين، في عزل نفسه خلال جائحة كوفيد-19، وكان يجلس في الغالب في نهاية طاولة طويلة بعيداً عن ضيوفه من الشخصيات البارزة، إلى أن أمر بهجوم فبراير 2022. وتشير التقارير إلى أنه يستخدم نفس تجهيزات المكتب في مواقع متعددة للتواصل مع مجلس وزرائه عبر رابط فيديو.
وتأتي تفاصيل الإجراءات الأمنية الجديدة بعد أيام من إعلان موسكو عن تغييرات جوهرية في عرضها العسكري السنوي في الساحة الحمراء، المقرر إقامته في 9 مايو، لإحياء ذكرى الانتصار على ألمانيا النازية. وسيُقام العرض هذا العام - وهو الخامس منذ الحرب- من دون استخدام أسلحة ثقيلة، مثل المدرعات والصواريخ.
وأشار الناطق باسم الكرملين ديمتري بيسكوف، إلى أن التهديد والنجاح الأخير للضربات الأوكرانية بعيدة المدى، كان أحد الدوافع.
وأضاف: «على خلفية هذا التهديد الإرهابي، بالطبع، يتم اتخاذ جميع التدابير اللازمة للحد من الخطر».
ولطالما كانت العروض العسكرية بمثابة استعراض للقوة العسكرية للكرملين، إلا أنها تم تقليصها منذ بداية غزو أوكرانيا، بسبب مخاوف تشغيلية وأمنية.
خلاف في الكرملين!
وأشار التقرير الاستخباراتي إلى أن مشادة كلامية حادة بين كبار المسؤولين خلال اجتماع في الكرملين أواخر العام الماضي مع بوتين، كانت سبباً جزئياً في اتخاذ هذه الإجراءات الجديدة. فبعد اغتيال الفريق فانيل سارفاروف، في موسكو في 22 ديسمبر 2025، من قبل عملاء أوكرانيين على الأرجح، استدعى بوتين، كبار المسؤولين الأمنيين بعد 3 أيام.
وخلال الاجتماع، انتقد رئيس هيئة الأركان العامة فاليري غيراسيموف، رئيس جهاز الأمن الفيدرالي (FSB)، ألكسندر بورتنيكوف، لفشله في حماية ضباطه، الذين بدورهم اشتكوا من نقص الموارد والأفراد اللازمين لأداء مهامهم، وفق التقرير.
ويضيف التقرير: «مع التأكيد على الخوف والإحباط اللذين تسبب بهما هذا الأمر بين أفراد (الجيش)، انتقد غيراسيموف، بشدة نظرائه في الأجهزة الأمنية لافتقارهم إلى الرؤية الثاقبة».
ويشير التقرير إلى أنه «في ختام الاجتماع المتوتر، دعا بوتين، إلى الهدوء، واقترح آلية عمل بديلة، ووجه المشاركين بتقديم حلول ملموسة لهذه القضية في غضون أسبوع». وتضمن هذا الحل السريع توسيع الرئيس لنطاق عمل جهاز الحماية الفيدرالية (FSO) التابع له - الذي كان آنذاك يقوم فقط بحماية غيراسيموف، في القيادة العسكرية - ليشمل تقديم الحماية لعشرة قادة عسكريين كبار آخرين.
ويزعم التقرير أن تعزيز الإجراءات الأمنية التي اتخذها بوتين، جاء بعد توسيع صلاحيات جهاز الحماية الفيدرالية.
ومن النادر أن تقوم أجهزة الاستخبارات الغربية بتسريب روايات مفصلة عن مداولات سرية أجرتها جهات معادية، والتي يُرجح أنه قد يتم الحصول عليها من مصادر بشرية أو إلكترونية، وكلاهما معرض للخطر في حالة الكشف عنه.
لكن إصدار التقرير قد يعكس محاولة من جانب المسؤولين الأوروبيين لاغتنام الأمل الذي رأى المنتقدون، أنه كان منذ فترة طويلة إستراتيجيتهم الوحيدة لهزيمة روسيا في أوكرانيا، وانتظار انهيارها من الداخل.