تهدد المطارات ولا تملك إغلاقها.. لماذا تصر إيران على خسارة كل أوراقها؟

وسّعت إيران تهديداتها من الملاحة البحرية إلى حركة الطيران، بعدما بدأت قيود أمريكية جديدة بتضييق المجال أمام الشركات الإيرانية في مطارات خارجية.

وتوعّد مسؤولون في طهران الدول التي توقف الرحلات الإيرانية بإجراءات مماثلة وصلت إلى التهديد بتعطيل عمل مطاراتها، في وقت تكشف التطورات الفعلية محدودية قدرة إيران على فرض قواعدها خارج أجوائها مقارنة بما تملكه واشنطن من أدوات مالية وتجارية تستهدف الوقود والمناولة والتذاكر والخدمات الأرضية.

وأعلن أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني محسن رضائي، أن المطارات التي تمنع الطائرات الإيرانية لن تتمكن من تشغيل رحلات إلى إيران، قبل أن يرفع مستشار المرشد محمد مخبر سقف التهديد بقوله إن المنطقة إما أن تبقى مفتوحة للطيران أمام الجميع أو تغلق أمام الجميع.

وجاء التصعيد بعد توقف رحلات إيرانية إلى العراق وأذربيجان وجورجيا، مع اضطراب خدمات أخرى إلى مسقط ووجهات إقليمية إضافية.

واشنطن تستهدف خدمات الطيران
وتفيد معلومات مصدر أمريكي مطلع في مكتب الأمن القومي، بأن "الإدارة تتابع تنفيذ القيود عبر وزارة الخزانة ووزارة الخارجية ووزارة النقل، وتركز المرحلة الحالية على مزودي الوقود وشركات المناولة الأرضية وأنظمة الحجز والتأمين في المطارات التي تستقبل الناقلات الإيرانية، مع إرسال قوائم محدثة إلى حكومات وشركات تحدد الكيانات الإيرانية المشمولة والعقوبات التي يمكن أن تطال مزودي الخدمات الأجانب".

ويضيف المصدر ، لـ"إرم نيوز"، أن "مجلس الأمن القومي طلب إعطاء أولوية لرصد أي تهديد يمس سلامة مطارات المنطقة أو الملاحة الجوية أو البنية المرتبطة بتشغيل الرحلات، بالتوازي مع متابعة أي إجراءات انتقامية داخل المطارات الإيرانية، وجرى تنسيق تبادل معلومات مع سلطات طيران إقليمية حول الرحلات الملغاة والمسارات البديلة وأي تحركات إيرانية قد تؤثر في التشغيل المدني".

وتشمل الخطة الأمريكية خلال المرحلة المقبلة توسيع المتابعة إلى شركات التأجير والتأمين ومقدمي خدمات الدفع والوسطاء الذين يمكن أن يساعدوا الناقلات الإيرانية على الالتفاف على القيود، إلى جانب مراقبة عمليات إعادة تسجيل الطائرات أو استخدام شركات واجهة للحصول على الوقود والخدمات، مع إبقاء الاستثناءات الإنسانية تحت مراجعة وزارة الخزانة.

واتسعت الحملة الأمريكية خلال الشهر الجاري بعدما شملت الإجراءات عشرات شركات الطيران الإيرانية، وهددت مقدمي الخدمات بعقوبات ثانوية إذا واصلوا تزويدها بالوقود أو خدمات الهبوط أو بيع التذاكر، وكانت الطاقة الدولية المتاحة للشركات الإيرانية قد انخفضت في آب/أغسطس بنحو 49 في المئة مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، ما جعل أثر القيود ظاهرا سريعا في جداول الرحلات وحركة المسافرين.

تهديدات تتجاوز القدرة
وكذلك تشير معلومات المصدر الأمريكي، إلى أن "واشنطن أبلغت شركاءها بأن أي استهداف إيراني لمطارات مدنية أو بنى مرتبطة بحركة الطيران سيُعامل كتصعيد عسكري مباشر، وأن الرد سيستهدف الأصول العسكرية المستخدمة في أي هجوم، مع التركيز على مواقع الإطلاق ومنظومات القيادة والسيطرة والبنية العسكرية المسؤولة عن التنفيذ، وهو ما يضع سقفا واضحا أمام محاولات طهران تحويل التهديدات الجوية إلى أداة ضغط بلا كلفة".

ويختلف مضيق هرمز عن ملف الطيران، لأن جزءا من الممر يقع بمحاذاة السواحل الإيرانية، وتملك طهران فيه أدوات عسكرية وبحرية مباشرة، فيما تخضع المطارات والمجالات الجوية الإقليمية لسيادة دولها، ولذلك لا يستطيع النظام نقل النموذج نفسه إلى حركة الطيران من دون اللجوء إلى تصعيد أمني يرفع كلفته السياسية والعسكرية بصورة كبيرة.

ويقول الباحث في الشأن الإيراني أمير اعتمادي، إن "التهديدات الأخيرة تعكس ضيق الخيارات المتاحة أمام النظام بعدما أصبحت القيود على الطيران مرئية مباشرة للمواطنين والشركات، إذ يصعب إخفاء إلغاء الرحلات أو تقلص الوجهات بالطريقة التي يمكن فيها الالتفاف على بعض العقوبات المالية عبر الوسطاء والأسواق غير الرسمية".

ويضيف اعتمادي لـ"إرم نيوز"، أن "تحويل ملف الطيران إلى أداة تهديد سيزيد عزلة شركات الطيران الإيرانية ويشجع مزيدا من الحكومات ومقدمي الخدمات على تقليص ارتباطهم بالسوق الإيرانية، خصوصا أن أي اضطراب أمني مرتبط بالطيران يرفع سريعا كلفة التأمين والتشغيل ويجعل التعامل مع الناقلات الإيرانية أكثر مخاطرة بالنسبة للشركات الأجنبية".

وتعزز التطورات الأخيرة هذه الصورة بعدما اضطرت رحلة تقل وفدا برلمانيا إيرانيا متجها إلى طاجيكستان إلى العودة إثر رفض تركمانستان السماح لها بعبور مجالها الجوي، قبل أن يصل الوفد لاحقا إلى دوشنبه، وهي واقعة توضح عمليا أن القرار في الأجواء الإقليمية يبقى بيد الدول التي تملكها، وأن طهران نفسها يمكن أن تتأثر بقيود مشابهة لما تهدد الآخرين به.

ويشير المسار الحالي إلى أن النظام الإيراني يحاول تعويض تقلص أدواته الاقتصادية بإطلاق تهديدات أوسع من قدرته المباشرة على التنفيذ، غير أن تحويل المجال الجوي الإقليمي إلى نسخة من معركة هرمز يصطدم بسيادة الدول وبشبكة طيران دولية تمنح واشنطن وحلفاءها أدوات مالية وتنظيمية وعسكرية أوسع بكثير من الأدوات الإيرانية.