المصدر: النهار
الكاتب: عباس صباغ
الأربعاء 27 آب 2025 07:34:57
عادت قضية الموقوفين السوريين إلى الواجهة بعد تسريب وثيقة اتصال صادرة عن الجيش اللبناني، تتضمن معلومات عن نية جماعات خطف عناصر من الجيش لمبادلتهم بالسجناء السوريين في لبنان. تلك الوثيقة تزامنت مع تهديدات أطلقتها عشائر سورية ضد لبنان، ما لم يُصر إلى إطلاق السجناء السوريين. فما الذي يمكن أن يقدمه لبنان في هذا الملف؟
بغض النظر عن جدية تهديدات "العشائر السورية"، كانت المسألة موضوع نقاش سوري - لبناني خلال زيارتي رئيسي الحكومة السابق نجيب ميقاتي والحالي نواف سلام لدمشق، ولقائهما الرئيس السوري أحمد الشرع.
يصل عدد السجناء والموقوفين السوريين إلى نحو 30 في المئة من عدد السجناء في لبنان، حيث يبلغون نحو 2400 بين سجين وموقوف، ويقضي معظمهم فترة محكومياتهم في سجن رومية، فيما تتوزع نسبة قليلة على سائر السجون والنظارات التابعة للمخافر، وعددها 25 في لبنان.
غالبية الموقوفين السوريين ملفاتهم جنائية، ومنها جرائم القتل والسرقة والخطف والإتجار بالمخدرات، فيما النسبة الباقية هي جرائم إرهاب، ومنها قتل عناصر في الجيش اللبناني ولا سيما في جرود عرسال بدءاً من العام 2013، وكذلك إطلاق النار على الجيش اللبناني في مناطق أخرى، فضلاً عن تنفيذ تفجيرات في الضاحية الجنوبية لبيروت والبقاع بين عامي 2013 و2016.
التحذير على لسان بعض العشائر جاء على خلفية وفاة سجين في رومية كان يتلقى العلاج منذ فترة وتدهورت حالته الصحية ما أدى إلى وفاته. وبحسب قوى الأمن الداخلي، فإن الرعاية الطبية تم تقديمها للسجين الذي يقضي محكوميته في قضية إرهاب، لكنه توفي على الرغم من تقديم العلاج اللازم له.
نصار: حفظ السيادة
تلك القضية أعادت تسليط الأضواء على ملف الموقوفين السوريين في لبنان.
وفي هذا السياق، يؤكد وزير العدل عادل نصار لـ"النهار" أن "العمل جار لإعداد الإطار القانوني الواضح توصّلا إلى حل لقضية الموقوفين السوريين"، لافتا إلى أن "الاتفاقية تنطلق من حفظ السيادة اللبنانية، عدا عن أن العلاقات مع سوريا مبنية على الثقة واحترام سيادة البلدين، والعمل على تلك الاتفاقية متواصل وسيتم الإعلان عنها بعد الانتهاء من إعدادها ضمن الأطر القانونية والأنظمة المرعية".
في الإطار عينه، هناك أكثر من 42 اتفاقية موقعة بين لبنان وسوريا، إضافة إلى اتفاقيات سابقة، منها القضائية للعام 1951 وتنص على تبادل المطلوبين، ولكن عام 1996 كان هناك ملحق لتلك الاتفاقية. وبحسب خبراء قانونيين، يمكن المحكومين في قضايا جنائية أن ينفذوا بقية أحكامهم في سوريا. إلا أن المعضلة تكمن في مرتكبي جرائم إرهابية، ولا يبدو لبنان حتى تاريخه في وارد تسليم هؤلاء، علماً أن الطلب السوري الأساسي هو تسليم مناصرين للمعارضة السابقة ومن مناوئي الحكم السابق.
وسبق لميقاتي أن ناقش هذه المسألة، ولا سيما تسليم الموقوفين بجرائم جنائية، علما أن هناك لوائح لنحو 720 موقوفاً ومسجوناً سوريّا في لبنان، ووضع هؤلاء مختلف عن أوضاع المتورطين في قضايا إرهابية، ومنهم الشيخ أحمد الاسير وعشرات غيره. وتطالب سوريا بإطلاق هؤلاء لا المحكومين بجرائم عادية، وهو ما يعقّد الأمر في لبنان، مع عدم القدرة على تحمل تبعات مثل تلك الخطوة، ولا سيما أن الأعمال الإرهابية طالت الجيش اللبناني الذي خسر نخبة من ضباطه وجنوده وخصوصاً في عرسال وجرودها، وكانت عملية خطف العسكريين في آب / أغسطس 2014 من أكثر تلك الأعمال فظاعة، إذ كان يتم تصوير الجنود على الهواء مباشرة قبل لحظات من إعدامهم.
مطالب "سجناء لبنان": إطلاق من قضى 10 سنوات من دون محاكمة
صدر بيان موقع من "سجناء لبنان" جاء فيه:
"بعد أن تفاقمت الأوضاع المأسوية للسجون في لبنان، وقضى عدد من السجناء نحبهم موتا أو انتحاراً نتيجة انعدام الرعاية الصحية والغذائية والاكتظاظ، وفي وقت شارفت فيه سجون لبنان على الإنهيار الشامل، استقبلنا بتفاؤل كبير الاخبار الإيجابية المتداولة مؤخراً حول نيّة الحكومة اللبنانية حلحلة معضلة السجون في لبنان، وكلنا ثقة بعد الله أن يتبنى المسؤولون اللبنانيون سلة من الحلول الإنسانية والقضائية الشاملة والشجاعة تجاه هذا الملف، تشمل:
- تحديد سنوات حكمي المؤبد والإعدام.
- تقليص السنة السجنية استثنائياً لستة أشهر.
- إخلاء سبيل من قضى أكثر من 10 سنوات دون محاكمة، حيث أن أكثر من 70 بالمئة من السجناء لايزالون موقوفين منذ سنوات دون محاكمات.
- تسليم جميع السجناء السوريين إلى سوريا.
وإننا إذ نشيد بنية أصحاب القرار في لبنان وسوريا توجههم لحل هذا الملف الإنساني المهم، الذي يمس بشكل مباشر حياة آلاف الأسر والعائلات في البلدين، نؤكد أن حل هذه المعضلة يصحح مسار العدالة ويعزز السلم الأهلي والاجتماعي، كما أنه سينعكس بشكل إيجابي على العلاقات بين البلدين الجارين، و سيفتح صفحة جديدة تحسب للعهد الجديد والحكومة الجديدة، وسيبقى نقطة مضيئة في سجل أصحاب القرار في لبنان وسوريا على حد سواء".
يرى وزير العدل السابق إبراهيم نجار أن قانون العفو العام في لبنان يطرح إشكاليات متشعّبة تتداخل فيها الأبعاد التقنية مع الاعتبارات السياسية والإنسانية. فبحسب نجار، من المستحيل وضع نص تشريعي يميز بين السجناء أو المطلوبين على أساس جنسياتهم أو طبيعة قضاياهم، إذ إن القاعدة القانونية تفترض المساواة بين الجميع، سواء كانوا لبنانيين أو سوريين، ما داموا ارتكبوا الجرائم نفسها.
هذا الواقع يجعل من الصعب صياغة قانون تستفيد منه فئة محددة، كسجناء سوريين مثلاً، من دون أن يشمل محكومين بجرائم إرهابية أو جنائية خطيرة. ومن هنا، يعتبر نجار أن الحل الأنسب يكمن في خطوة جريئة من مجلس النواب عبر إقرار الاتفاقية القضائية التي وُقعت عام 2010 بين وزارتي العدل اللبنانية والسورية، والتي تنص على تبادل المحكومين بحيث يقضي السوريون عقوباتهم في بلدهم، ويُكمل اللبنانيون محكوميتهم في السجون اللبنانية.
أما في البعد الإنساني والسياسي، فيطرح خيار آخر يتمثل في خفض العقوبات السجنية، على غرار ما جرى في مراحل سابقة. إلا أن إقرار قانون من هذا النوع يبقى مهمة بالغة التعقيد تقنياً، رغم أن الظروف السياسية الراهنة قد تجعل النقاش حوله أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى.