المصدر: المدن
الكاتب: نغم ربيع
الخميس 9 نيسان 2026 18:10:20
بعد دقائق قليلة من صدور الإنذار الإسرائيلي الأخير الذي طال الضاحية الجنوبية لبيروت وصولاً إلى منطقة الجناح والأوزاعي، تغير إيقاع المدينة دفعة واحدة. راح المواطنون من سكان تلك المناطق "الموسومة باللون الأحمر" للمرة الأولى يهربون يميناً ويساراً.
فجأة انقلب هدوء في العاصمة عقب الحداد الذي أعلن جراء الجرائم التي ارتكبها العدو يوم أمس الأربعاء "الأسود"، وازدحمت الطرق المؤدية إلى بيروت بالسيارات والمواطنين الفارين على أقدامهم.
بدت بيروت في تلك اللحظات كمدينة مربكة: ضجيج وصراخ وحركة بلا اتجاه محدد، والسيارات تطلق الأبواق بلا توقف، وكل ذلك وسط ازدحام المواطنين الذين راحوا يدهسون بعضهم البعض. حالة لا تشبه أي انتقال عادي. كل شيء كان يحدث أسرع مما يحتمل الناس، وأسرع مما تحتمل المدينة نفسها اليوم بعد اليوم الدموي أمس.
المشهد بدا أشبه بانفلات جماعي من الخوف والموت، ومحاولة غريزية للنجاة. خرج سكان المناطق المهددة بالقصف من بيوتهم بلا وجهة واضحة، وفرّوا بعيداً عن الأماكن المهددة.
اتجه كثيرون نحو البحر. آخرون افترشوا محيط موقف المدينة الرياضية، الذي تحول سريعاً إلى مساحة انتظار كبيرة. سيارات متوقفة بأبواب مفتوحة، حقائب موضوعة على الأرض، أشخاص يجرون أكياساً وحقائب سفر على عجل، ووجوه تبحث عن إشارة هاتف أو صوت غارة تحدد الخطوة التالية. أطفال يلتصقون بأمهاتهم وعيونهم معلقة في السماء.
كل الجنسيات التي تعيش في لبنان كانت حاضرة في المشهد: عاملات أجنبيات، عمال سوريون، لبنانيون، أطفال، نساء، ومسنون. عائلات كاملة تتحرك، لكنها تعرف في داخلها أنها قد لا تعود سريعاً او قد لا تعود ابدا إذا دمر البيت.
نساء يمشين وهن يبكين. أخريات يحملن أطفالاً على أكتافهن، ويمسكن بأطفال آخرين من أيديهم كي لا يضيعوا في الزحمة. رجال يعودون ركضاً نحو الأبنية لإخراج حقائب إضافية، أو أوراق ثبوتية، أو أدوية تُركت.
ازدحام السير وصل لمسافات طويلة من طريق المطار وصولاً إلى وسط بيروت شمالاً، ومن منطقة الجناح وصولاً إلى خلدة. وكانت السيارات تتحرك متراً وتتوقّف. رؤوس الركاب تخرج من النوافذ للسؤال عن مكان يمكن الوصول إليه قبل بدء الغارات.
وما يضاعف المأساة أن المنطقة المهددة باللون الأحمر شملت منطقة بئر حسن، حيث جرى تخصيص مدارس والمعهد التقني كمراكز لإيواء النازحين. لكن هؤلاء فروا بدورهم هائمين على وجههم. وتوجه جزء كبير السكان إلى الكورنيش البحري بلا غطاء ولا حاجياته الخاصة، ومن دون معرفة متى تكون عودتهم إلى بيوتهم.