المصدر: النهار
الكاتب: سمير تويني
الاثنين 9 شباط 2026 07:47:47
في لحظة إقليمية تتسم بالاضطراب وإعادة ترتيب موازين القوى، يرى خبراء أميركيون أن لبنان يقف اليوم أمام فرصة تاريخية "محدودة زمنياً" لإعادة بناء الدولة واستعادة احتكارها للسلاح، لكن هذه الفرصة لن تدوم طويلاً ما لم ترفع واشنطن مستوى اهتمامها واستثمارها في الملف اللبناني.
هذا ما خلصت إليه توصيات تم تداولها في اللجنة الفرعية للشرق الاوسط في مجلس النواب الأميركي، دعت فيها إلى توسيع المشاركة الأميركية لتشمل مساعدات أمنية إضافية موجهة، وجهوداً ديبلوماسية أقوى، وفريقاً أميركياً أكبر لمتابعة التطورات في بيروت.
وانطلقت هذه التوصيات، من التقاء ثلاثة تحوّلات رئيسية تخلق ظرفاً غير مسبوق يمكن الولايات المتحدة مع شركائها الإقليميين والدوليين استثماره بسرعة. التحوّل الأول يتمثل في النكسات العسكرية العميقة التي مُني بها "حزب الله"، والتي أضعفت قدراته وترسانته منذ اندلاع الحرب بعد هجوم حركة "حماس" في 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023 وقرار "حزب الله" فتح جبهة ثانية ضد إسرائيل. وتعتبر إن وقف النار الذي أُعلن في تشرين الثاني/نوفمبر2024 عزّز هذا الاتجاه، إذ تضمن شروطاً مؤاتية لإسرائيل ورسالةً جانبيةً تسمح لها بالرد على "التهديدات الفورية"، في ظل استمرار ضربات إسرائيلية تستهدف عناصر الحزب ومساعي إعادة تشكيله.
وتعترف بأن "حزب الله"، رغم الضغوط التي يواجهها، لايزال يسعى الى إيجاد طرق لإعادة البناء، ما يجعل الحاجة ملحة لأن توضح واشنطن أن رفض الحزب التخلي عن سلاحه هو العقبة الأساسية أمام استقرار لبنان وتعافيه الاقتصادي.
وتضيف أن نفوذ الحزب السياسي داخل مؤسسات الدولة، الذي قوّض سيادة لبنان لسنوات، بات بدوره معرضاً للإهتزاز، لكن ترك الأمور من دون استثمار أميركي أكبر قد يسمح للفاعلين غير الشرعيين بإيجاد بدائل تعيد إنتاج المنظومة ذاتها.
أما التحوّل الثاني، فيتعلق بإيران، التي تعتبر اللجنة أنها "ضعيفة بشكل غير مسبوق" داخلياً وخارجياً. فطهران، باتت غارقة في قمع الاحتجاجات الداخلية، بينما تراجعت أدواتها التقليدية لبسط النفوذ الإقليمي. وتعتبر أن سقوط نظام بشار الأسد في سوريا في كانون الأول/ديسمبر 2024 حرمها شريكاً أساسياً كان يسهّل نقل الأموال والأسلحة والمستشارين إلى "حزب الله"، ما أحدث تغييراً جوهرياً في البيئة الاستراتيجية المحيطة بالحزب، رغم بقاء شبكات غير مشروعة أخرى تعمل في الخفاء.
التحوّل الثالث يتمثّل في وصول قيادة جديدة في بيروت بعد سنوات طوال من الشلل السياسي. وتعتبر أن انتخاب الرئيس جوزف عون وتشكيل حكومة برئاسة نواف سلام في مطلع عام 2025 أتاحا للبنان هامشاً جديداً للتحرك، خصوصاً بعد تكليف القوات المسلحة اللبنانية وضع جميع الأسلحة جنوب نهر الليطاني تحت سيطرة الدولة. ورغم أن هذه المهمة لم تُنجز بالكامل، فإن المسار "لا يزال واعداً"، خصوصاً مع اتخاذ الحكومة خطوات إصلاح اقتصادي مبكرة مثل إعادة هيكلة القطاع المصرفي، إلى جانب مؤشرات على رغبة رسمية في توسيع الحوار مع إسرائيل عبر آلية وقف النار.
وتم انتقاد ما يوصف بعدم تناسب الاهتمام الأميركي الحالي مع حجم الفرصة. فواشنطن، تركز إلى حد كبير على ملف "حزب الله" ونزع سلاحه من خلال الآلية العسكرية التي تنسق وقف النار ودعم الجيش اللبناني بمعدات غير متقدمة. ورغم أهمية هذا النهج فإنه يشكل "استراتيجية جزئية" لا تكفي وحدها، وتدعو إلى توسيع المشاركة الأميركية لتشمل دعم الإصلاحات الاقتصادية، وتحديد شروط واضحة للمساعدات غير الأمنية، والانخراط مع الدول التي تميل إلى التدخل في السياسة اللبنانية قبيل الانتخابات البرلمانية المقبلة.
في محور المساعدة الأمنية، إن دعم الجيش اللبناني كان ركناً أساسياً في السياسة الأميركية مدى عقدين، إذ قدمت واشنطن نحو ثلاثة مليارات دولار عبر التمويل العسكري الأجنبي ومساعدات إضافية لتعزيز قدراته. ورغم الجدل المزمن حول قدرة الجيش أو رغبته في مواجهة "حزب الله"، فإن هناك تقدماً ملموساً في الفترة الأخيرة، منه تعزيز السلطة على مطار بيروت، إزالة أسلحة من مخيمات فلسطينية، زيادة الانتشار جنوباً، وعمليات تفتيش في بعض المنازل الخاصة.
وإعلان الجيش تحقيق "السيطرة العملياتية" جنوب الليطاني يمثل محطة مهمة، لكنه لا يعني أن كل المنازل والشركات تم تطهيرها من أصول الحزب. كما تحذر من تقارير تشير إلى أن "حزب الله" يتحرك بسرعة لإعادة بناء قدراته وزيادة إنتاجه الداخلي للأسلحة شمال الليطاني، ما يتطلب تسريع العمليات العسكرية اللبنانية مع الحفاظ على المكاسب في الجنوب.
وتتم المطالبة من واشنطن بدعم إضافي موجّه للجيش يشمل المركبات والتدريب المستمر ودعم الرواتب لضمان المعنويات والاحتفاظ بالأفراد، إضافة إلى تمكينه من دخول المنازل والشركات التي يشتبه بتخزين السلاح فيها. لكنها تشدد في المقابل على ضرورة ربط الدعم الأميركي بتوقعات واضحة للأداء والشفافية، بما في ذلك الكشف عن مصير الأسلحة المصادرة والإجراءات المتخذة لمنع إعادة التسليح.
وتقترح أن تستغل واشنطن فرصتين قريبتين لإبراز هذا النهج: مؤتمر دعم الجيش اللبناني الذي تستضيفه فرنسا في آذار/مارس، والزيارة التي قام بها قائد الجيش إلى واشنطن، بهدف إرسال رسالة مفادها أن الدعم الأميركي مستمر لكنه مشروط بنتائج قابلة للقياس.
وفي ما يتجاوز البعد الأمني، إن غياب تركيز أميركي واضح على الانتخابات البرلمانية المقبلة قد يفتح الباب أمام برلمان يعيد إنتاج نفوذ "حزب الله" السياسي. كما تشير إلى أن دولاً إقليمية مثل قطر وتركيا بدأت تملأ الفراغ، ما قد يزيد التدخل الخارجي في لبنان على حساب الأولويات الداخلية للمواطنين.
وتشدد على ضرورة وضع استراتيجية أميركية لإعادة الإعمار، خصوصاً في جنوب لبنان، مرتبطة بحوافز نزع السلاح. وتستشهد بتقدير البنك الدولي لعام 2025 الذي قدر تكلفة إعادة الإعمار والتعافي بنحو 11 مليار دولار، وغياب بدائل جدية قد يدفع شريحة واسعة من المجتمع الشيعي للعودة الى الاعتماد على "حزب الله" لتلبية احتياجاتها.
وفي توصياتها النهائية، تدعو إلى توسيع الفريق الأميركي المكلف بلبنان، وتوجيه دعوة الى الرئيس عون لزيارة البيت الأبيض في توقيت مدروس قبل الانتخابات، والإعلان عن متطلبات واضحة لتوسيع الدعم الأميركي خارج القطاع الأمني. كما تشدد على أهمية استمرار دور واشنطن في تسهيل الحوار بين لبنان وإسرائيل، وصولاً إلى ترتيبات أمنية أوسع وربما مسار تطبيع مستقبلي.
وتخلص إلى أن لبنان يقف أمام "نافذة ضيقة" لن تتكرر بسهولة، وأن أي تردد أميركي في هذه اللحظة قد يسمح لـ"حزب الله" وإيران بإعادة ترتيب أوراقهما، فيما يبقى اللبنانيون أسرى دورة جديدة من الانهيار السياسي والاقتصادي.