توقيف القيادي في "كتائب حزب الله" محمد السعدي... هل يكشف الشبكات الخارجية الموالية لإيران؟

 

في تطور أمني لافت يعكس اتساع نطاق المواجهة الدولية مع شبكات النفوذ المسلح العابرة للحدود، أعلنت السلطات الأميركية، الجمعة الماضي، توقيف القيادي في "كتائب حزب الله" العراقية محمد باقر سعد داود السعدي، على خلفية اتهامات تتعلق بالتخطيط لتنفيذ هجمات داخل الولايات المتحدة وكندا وعدد من الدول الأوروبية، بما في ذلك استهداف مواقع ذات طابع يهودي.

يأتي الإعلان في سياق أمني حساس يتقاطع مع تصاعد المخاوف الأميركية والغربية من نشاط جماعات مسلحة مرتبطة بإيران خارج مناطق الصراع التقليدية في الشرق الأوسط.

ووفق ما أعلنه مدير مكتب التحقيقات الفيديرالي كاش باتيل، فإن السعدي يُصنف ضمن "الأهداف عالية القيمة"، ويُشتبه في مسؤوليته عن التخطيط أو الإشراف على أنشطة ذات طابع إرهابي عابر للحدود.

يعكس هذا التوصيف، بحسب التقديرات الأمنية الأميركية، انتقال بعض أدوار هذه الجماعات من العمل الإقليمي المحدود إلى ما تعتبره واشنطن تهديداً عالمياً منظماً، ما يرفع مستوى التعامل الاستخباري والقضائي مع القضية.

تساؤلات بشأن العملية ودور بغداد
 
يكتسب ملف التوقيف حساسية إضافية بالنظر إلى طبيعة "كتائب حزب الله" العراقية، التي تُعد من أبرز الفصائل العراقية المسلحة المنضوية ضمن "الحشد الشعبي"، وترتبط سياسياً وإيديولوجياً بطهران، وتواجه اتهامات متكررة من الولايات المتحدة ودول غربية بالضلوع في هجمات داخل العراق وخارجه. لكن الفصيل ينفي عادة هذه الاتهامات، ويؤكد أن نشاطه يندرج ضمن "مقاومة الاحتلال الأميركي".

في المقابل، يثير الإعلان الأميركي تساؤلات حيال مسار العملية الأمنية التي أدت إلى توقيف السعدي، ومدى وجود تعاون استخباري دولي أو تنسيق مع أطراف إقليمية، بما في ذلك احتمال وجود دور غير مباشر للعراق، سواء عبر تبادل معلومات أمنية أو من خلال قنوات تنسيق مع شركاء غربيين.

وحتى الآن، لم تصدر بغداد بياناً مفصلاً يوضح طبيعة مشاركتها أو علمها المسبق بالعملية، ما يترك الباب مفتوحاً أمام تكهنات متعددة بشأن مستوى التعاون الأمني بين البلدين في هذا الملف.

لكن مصدراً حكومياً عراقياً مسؤولاً يقول لـ"النهار" إن "الجهات الحكومية العراقية لا علاقة لها مطلقاً بعملية توقيف الشخص الذي أعلنت السلطات الأميركية اعتقاله أخيراً، والمنسوب إليه الارتباط بإحدى الفصائل المسلحة العراقية"، وإن تنفيذ العملية "جرى حصراً ضمن إجراءات وأطر قانونية وأمنية لدى الجانب الأميركي، كما أن الاعتقال تم خارج الحدود العراقية".

ويضيف المصدر، الذي طلب عدم ذكر اسمه، أن "العراق لم يشارك بأي شكل من الأشكال في التخطيط أو التنفيذ أو تقديم الدعم اللوجستي أو المعلوماتي المتعلق بعملية التوقيف، ولم يُطلب منه القيام بأي دور في هذا السياق".

ويؤكد أن "الحكومة العراقية حريصة على احترام التعاون الدولي في الملفات الأمنية وفق القنوات الرسمية، وبما ينسجم مع سيادة العراق ومصالحه الوطنية، مع متابعة أي تطورات تتعلق بالقضية عبر الأطر الديبلوماسية المعتمدة".

شبكات عابرة للحدود

تتجه الأنظار أيضاً إلى مرحلة التحقيقات، إذ يُنظر إلى السعدي باعتباره شخصية قد تكون مطلعة على شبكات اتصال وتمويل وتحركات لوجستية تتجاوز حدود العراق، ما قد يفتح الباب أمام كشف معلومات حساسة تتعلق ببنية الفصائل المسلحة وآليات عملها الخارجي وشبكات ارتباطها الإقليمية والدولية.

ويقول الخبير في الشؤون الاستراتيجية، العميد الركن أحمد الدليمي، لـ"النهار"، إن "إعلان السلطات الأميركية توقيف قيادي منسوب إلى أحد الفصائل المسلحة العراقية يمثل تطوراً لافتاً في مقاربة واشنطن لملف الجماعات المسلحة المرتبطة بإيران، خصوصاً في ما يتعلق بتوسيع نطاق التعامل الأمني مع هذا الملف ليشمل ساحات خارج نفوذ تلك الفصائل".

ويضيف أن "أهمية العملية لا تقتصر على البعد القضائي أو الأمني المباشر، بل تمتد إلى كونها مؤشراً على قدرة الأجهزة الأميركية على الوصول إلى شخصيات يُعتقد أنها تنشط ضمن شبكات تنظيمية عابرة للحدود، وهو ما يعكس مستوى متقدماً من الرصد الاستخباري والمتابعة طويلة الأمد".

وبحسب الدليمي، فإن "الفصائل المسلحة العراقية، التي يُنظر إليها باعتبارها جزءاً من منظومة نفوذ إقليمي، قد تواجه خلال المرحلة المقبلة ضغوطاً متزايدة تتعلق بكشف امتداداتها خارج العراق، سواء على مستوى شبكات الدعم أو قنوات التواصل أو آليات الحركة اللوجستية، خصوصاً بعد الحرب الأخيرة على إيران ومشاركة تلك الفصائل في عمليات نُفذت خارج الحدود العراقية".

تداعيات محتملة على الفصائل
 
يرى الدليمي أن "طبيعة القضايا المطروحة في مثل هذه الملفات تجعل من أي إفادات محتملة ذات تأثير كبير، خصوصاً إذا تضمنت معلومات عن بنية التنظيم الداخلي أو أساليب العمل أو أسماء شخصيات قيادية وارتباطات خارجية".

ويختم بالقول إن "مثل هذه التطورات قد تفرض مستوى أعلى من الحذر داخل هذه الفصائل، خصوصاً في ما يتعلق بإدارة نشاطها الخارجي، في ظل تصاعد الاهتمام الدولي بملفها خلال المرحلة الأخيرة".

وفي ظل هذه التطورات، تبدو القضية مرشحة للتحول إلى ملف دولي مفتوح على مزيد من التعقيد، خصوصاً إذا جرى ربطها بسياق أوسع يتعلق بنشاط الجماعات المسلحة المرتبطة بإيران خارج حدود نفوذها، وهو ما قد ينعكس على مسارات التوتر بين واشنطن وطهران، وعلى مستقبل وجود ونشاط الفصائل العراقية خلال المرحلة المقبلة.