ثلاثيّة عون: الأسرى و”عليّ الطّاهر” و”اليونيفيل”

تزامناً مع تسليم خمسة أسرى لبنانيّين عبر الناقورة، كانت إسرائيل تعلن دخولها البنى التحتيّة في مرتفعات عليّ الطاهر وتحقّق “السيطرة العمليّاتيّة” عليها، فيما كانت بيروت تستكمل معركتها الدبلوماسيّة للحفاظ على “اليونيفيل” أو إيجاد قوّة دوليّة بديلة.

ثلاثة عناوين يمكن جمعها تحت مظلّة رئاسة الجمهوريّة التي تختصر الخيار السياسيّ وحدود قدرة الدولة في آن واحد: التفاوض لاستعادة الأسرى، الجيش لاستعادة الأرض، والمرجعيّة الدوليّة لمنع تحوّل الاحتلال إلى أمر واقع.

الأسرى: ضغط عيسى وذاكرة البداية

لم يكن الإفراج عن الأسرى الخمسة قراراً إسرائيليّاً منفصلاً عن المفاوضات. إذ حمل السفير الأميركيّ في لبنان رسالة استثنائيّة من البيت الأبيض خلال لقاء رئيس الوزراء الإسرائيليّ بنيامين نتنياهو ساهم في تحرير الأسرى. حمل إليه طلباً واضحاً بتقديم خطوة إيجابيّة تعيد بعض الزخم إلى المسار التفاوضيّ قبل الجولة المقبلة.

اعتبر ميشال عيسى أنّ إطلاق دفعة من الأسرى ليس ملفّاً إنسانيّاً فقط، بل ضرورة سياسيّة لإثبات أنّ التفاوض قادر على تحقيق نتيجة، بعدما توقّفت بنود “اتّفاق الإطار” وتعطّلت المناطق التجريبيّة وبقي الانسحاب الإسرائيليّ خارج التنفيذ، فتجاوب الاسرائيلي مشترطاً البحث عن رفات يهود في لبنان.

يُحسب لعون، بحسب مصادر دبلوماسية، أنّه تابع ملفّ الأسرى ووضعه على طاولة واشنطن واللجنة الدوليّة للصليب الأحمر والمفاوضات. لكنّ التجربة السابقة تفرض الحذر في توصيف ما حصل.

في آذار 2025، خلال الأشهر الأولى للعهد، أطلقت إسرائيل خمسة أسرى لبنانيّين أيضاً. قُدّمت الخطوة يومها مدخلاً إلى إطلاق مجموعات عمل مشتركة تتناول الأسرى والحدود البرّيّة والانسحاب الإسرائيليّ. إلّا أنّ المسار سقط لاحقاً، وتوقّفت المفاوضات بعد رفض لبنان تشكيل لجان تفاوضيّة، وعادت الحرب إلى لبنان بصورة أوسع.

لذلك يشكّل الإفراج الجديد خرقاً مهمّاً، لكنّه لا يكفي وحده لإعلان نجاح المسار. فهو يثبت أنّ الضغط الأميركيّ على إسرائيل قادر على إنتاج خرق عندما تقرّر واشنطن استخدامه، ولا يثبت بعد أنّ نتنياهو اتّخذ قراراً بالتسوية أو الحلّ في لبنان.

ما رفضه “الحزب” للجيش فعلته إسرائيل

بعد الخرق التفاوضيّ في ملفّ الأسرى، جاء دخول إسرائيل إلى منشأة “عليّ الطاهر” ليكشف حدود السياسة عندما لا تواكبها موازين الأرض. كان تسلّم الجيش اللبنانيّ للمنشأة أحد الحلول المطروحة لتجنيب المنطقة عمليّة إسرائيليّة. رفض “الحزب” دخول الجيش، ورفع الموقع إلى مستوى الخطّ الأحمر، مؤكّداً استعداده لخوض المواجهة دفاعاً عنه. لكنّ إسرائيل أعلنت لاحقاً دخول البنى الجوفيّة وتفكيك مسارات تحت الأرض، وقتل عدد من المقاتلين واختفاء آخرين.

قد لا تكون “السيطرة العمليّاتيّة” احتلالاً كاملاً لكلّ التلال والأنفاق، ولا سيما في غياب إعلان تمركز ثابت فوق كامل الموقع. لكنّ دخول إسرائيل المنشأة ووصولها إلى مرافقها يشكّلان خسارة عسكريّة وسياسيّة لـ”الحزب”، مهما حاولت أوساطه لاحقاً تخفيف أهمّيّة المرتفعات أو حصر قيمتها في بعدها الإعلاميّ. فالموقع الذي مُنع الجيش اللبناني من دخوله، دخلته إسرائيل.

تكشف معلومات “أساس” أنّ النقاش انتقل بالفعل في الكواليس من: هل تدخل إسرائيل عليّ الطاهر؟ إلى سؤال أكثر خطورة: ماذا بعد عليّ الطاهر؟

إسرائيل لا تتعامل مع الموقع بوصفه نهاية عمليّة منفردة، بل حلقة في خطّة تهدف إلى استكمال القضاء على ما بقي من البنى التحتيّة العسكريّة لـ”الحزب”: الأنفاق، مخازن السلاح، غرف القيادة، طرق الإمداد ونقاط الاتّصال بين الجنوب وإقليم التفّاح والبقاع.

اليونيفيل”: معركة إبقاء الشّاهد

يمثّل تمسّك عون بـ”اليونيفيل”، أو بقوّة دوليّة تحلّ مكانها، جزءاً أساسيّاً من الثلاثيّة. فالمسألة لا تتعلّق فقط بعدد الجنود الدوليّين، بل ببقاء جهة تراقب الخروقات وتوثّقها وتواكب الجيش وتحول دون انفراد إسرائيل برسم الوقائع وروايتها.

تتحدّث مصادر دبلوماسيّة لـ”أساس” عن رفض إسرائيليّ قاطع حتى الآن لبقاء “اليونيفيل” أو العودة عن قرار وقف أعمالها نهاية العام. ولا تبدو تل أبيب أكثر حماسة لقوّة بديلة تتمتّع بحرّيّة الحركة أو بقدرة مستقلّة على المراقبة.

كذلك لم يصل العمل على تشكيل لجنة تحقّق فاعلة إلى نتيجة. تريد إسرائيل أن تحتفظ بحرّيّة التحرّك والضرب والدخول إلى المواقع التي تصنّفها خطراً، من دون أن تكون خاضعة لرقابة ميدانيّة دوليّة. بكلام آخر، تريد أن تكون طرفاً في المواجهة، والجهة التي تحدّد الخرق، والقوّة التي تنفّذ الحكم في الوقت نفسه.

لهذا لا يمكن فصل مستقبل “اليونيفيل” عمّا حصل في عليّ الطاهر. ففي غياب الشاهد الدوليّ وآليّة تحقّق فعليّة، تستطيع إسرائيل أن تعلن وجود تهديد، وتحاصر الموقع، وتدخله، ثمّ تقدّم النتيجة بوصفها أمراً واقعاً جديداً.

هذه هي ثلاثيّة عون حتّى الآن: خطوة تفاوضيّة أعادت خمسة لبنانيّين، خسارة ميدانيّة للحزب فتحت باب البحث في الهدف الإسرائيليّ التالي، ومعركة دبلوماسيّة لم تُحسم للحفاظ على الحضور الدوليّ.

يُحسب لعون أنّه أبقى الدولة على طاولة التفاوض وتمسّك بالجيش والمرجعيّة الدوليّة. فهل ينجح بتحويل الضغط الأميركيّ الذي أطلق خمسة أسرى إلى ضغط يوقف التقدّم الإسرائيليّ ويفرض الانسحاب؟

لا يُقاس الانتصار بعدد الملفّات المفتوحة، بل باتّجاه الخريطة. وما دامت إسرائيل تتقدّم موقعاً بعد آخر، لا يستطيع أيّ طرف لبنانيّ أن يعلن انتصاراً. والثلاثيّة، حتّى اللحظة، ليست حصيلة عهد، بل عنوان معركته: استعادة اللبنانيّين الأسرى، منع خسارة الأرض، وإبقاء العالم شاهداً عليها.