المصدر: المدن
الكاتب: شفيق طاهر
الجمعة 17 تموز 2026 01:44:51
أعاد الرئيس الأميركي دونالد ترامب جبل الفأس إلى واجهة المواجهة مع إيران، عندما قال في مقابلة إن الموقع قد يتلقى ضربة كبيرة مباشرة إلى الباب الأمامي، قبل أن يؤكد أن استهدافه مدرج على قائمة واشنطن. ولا تبدو العبارة مجرد استعراض سياسي، فهي تكشف المعضلة العسكرية الأساسية، يمكن قصف مداخل منشأة جبلية وتعطيل الوصول إليها، لكن التأكد من تدمير قاعاتها الداخلية أو إنهاء وظيفتها النووية المحتملة مسألة مختلفة تماماً. ويعتقد ان الموقع يضم مجمعين من الأنفاق العميقة يعتقد خبراء أنهما قد يكونان خارج القدرة المضمونة لأقوى القنابل الأميركية الخارقة للتحصينات.
ما هو جبل بيكأكس؟
"بيكأكس ماونتن" هو الاسم الغربي المتداول لجبل الفأس، الواقع على مسافة نحو 1.6 كيلومتر جنوب مجمع نطنز لتخصيب اليورانيوم. بدأت إيران إنشاء المجمع الجديد أواخر العام 2020، بعد تخريب مبنى لتجميع أجهزة الطرد المركزي في نطنز. وأعلن مسؤولون إيرانيون آنذاك نيتهم بناء منشأة أكبر وأكثر حداثة في قلب الجبل قرب الموقع القديم.
تظهر صور الأقمار الاصطناعية مداخل شرقية وغربية، إلى جانب أنفاق أخرى في المنطقة، وطرق للمركبات، وأكوام ضخمة من ركام الحفر، وسياج أمني متعدد المستويات يحيط بالكتلة الجبلية. كما أظهرت صور التقطت في شباط/ فبراير 2026 استمرار تدعيم بعض المداخل بالخرسانة والصخور والتراب، مع وجود خلاطات إسمنت وشاحنات وآليات ثقيلة. ويرى محللون أن استمرار أعمال البناء يشير إلى أن المنشأة لم تكن قد أصبحت جاهزة للعمل بالكامل، وإن كانت حركة المركبات قرب المداخل قد تعني بدء تجهيز أجزاء من الداخل.
أما وظيفة المجمع فليست محسومة. قد يكون مخصصاً لتجميع أجهزة الطرد المركزي كما أعلنت طهران، لكنه واسع ومحصن بما يكفي، وفق بعض التقديرات، لتخزين معدات أو مواد حساسة، أو لاستضافة أنشطة تخصيب مستقبلاً. ولم يدخل مفتشو الوكالة الدولية للطاقة الذرية الموقع، ولا تكشف الصور الفضائية وجود أجهزة طرد مركزي أو مخزون يورانيوم داخله. لذلك يبقى الأدق وصفه بمنشأة مرتبطة بالبرنامج النووي ومرشحة لاستضافة أنشطة حساسة، لا بمنشأة تخصيب تشغيلية مؤكدة.
وتنبع أهمية جبل الفأس من احتمال تحوله إلى منشأة لاستمرارية البرنامج النووي الإيراني بعد تضرر منشآت معروفة مثل نطنز وفوردو وأصفهان. فقربه من نطنز يسمح نظرياً بالاستفادة من الكوادر والخبرة والبنية اللوجستية الموجودة في المنطقة، مع نقل الأنشطة الأكثر حساسية إلى حماية جيولوجية أكبر. كما أن وضع المنشأة داخل جبل يصعّب مراقبة ما ينقل إليها، ويمنع أجهزة الاستخبارات من معرفة مخططها الداخلي بدقة.
لماذا لا تضمن الضربة تدميره؟
استخدمت الولايات المتحدة خلال عملية "ميدنايت هامر" في حزيران/ يونيو 2025 أربع عشرة قنبلة من طراز GBU-57، ضمن الهجوم على ثلاثة مواقع نووية إيرانية. وهي أكبر ذخيرة أميركية تقليدية مخصصة للأهداف شديدة التحصين والمدفونة. غير أن فعاليتها تعتمد على نوع الصخور وسماكتها، وزاوية الإصابة، ومواقع القاعات، وشكل الأنفاق، ودقة المعلومات الاستخبارية المتاحة. وفي جبل بيكأكس لا توجد مخططات علنية تسمح بتحديد نقاط الضعف أو ضمان وصول موجة الانفجار إلى الحجرات الأساسية.
قد تنجح ضربة على الباب الأمامي في انهيار مداخل، وقطع الكهرباء والتهوية، ومنع نقل الأفراد والمعدات. كما أنها قد تعزل المنشأة مؤقتاً بدلاً من تدميرها، خصوصاً مع تعدد المداخل وإمكان إزالة الركام أو فتح مسارات بديلة.
ولا يقل تقييم النتائج صعوبة عن تنفيذ الهجوم. فقد ترصد الأقمار الاصطناعية الحفر والانهيارات وحركة آليات الإصلاح، لكنها لا تثبت وحدها تدمير القاعات أو المعدات. ويحتاج التقييم إلى اعتراض الاتصالات، والمعلومات البشرية، والصور الحرارية، ومراقبة أعمال الحفر والنقل لأسابيع أو أشهر. وحتى وزارة الدفاع الأميركية أقرت، بعد عملية "ميدنايت هامر"، بأن إعداد تقييم شامل للأضرار يحتاج إلى وقت.
وهنا تكمن عقدة موقع جبل الفأس، تستطيع القوة الجوية تعطيله وربما تأخير تشغيله، لكنها لا تضمن محو المعرفة النووية أو منع إيران من نقل قدراتها إلى مواقع أصغر وأكثر سرية. ولن يكون السؤال الحاسم بعد الضربة حجم الدمار، بل ما الذي دمر فعلاً، وهل أصبح البرنامج الإيراني أقل خطراً أم أكثر انتشاراً وغموضاً.