جريمة مرفأ بيروت... لا تعويضات بلا عدالة

قبل ست سنوات، اهتزّ لبنان والعالم على وقع جريمة تفجير مرفأ بيروت. وحتى اللحظة، لا تزال الجريمة مستمرة، لأنّ الملف لم يُقفَل بمسار قانوني يحدّد الأسباب والمسؤوليات. وعلى مدى السنوات الست، تراكمت المعطيات وتشابكت تفاصيل القضية على عدّة مستويات، منها ما يتعلّق بأسباب التفجير والمسؤولين عنه، فضلاً عن الإفراج عن الموظفين والمسؤولين العسكريين الذين أوقفوا للتحقيق، بالإضافة إلى امتناع بعض المسؤولين عن الخضوع للتحقيق، إلى جانب أمور أخرى تطال الجانب الصحي والمادي المتعلّق بالتعويضات على المتضرّرين، إن على مستوى المواطنين أو الدولة.

 

ليس مجرّد ذكرى

يوم الرابع من آب ليس مجرّد ذكرى لحادث عابر يمكن أن يُنسى، بل هو جريمة في حقّ لبنان، يشهد عليها دمار المرفأ ودم الضحايا. فالتفجير الذي وقع قبل 6 سنوات، قتل فيه أكثر من 200 شخص وجرح أكثر من 7 آلاف، وكان من ضحاياه أيضاً، عشرات آلاف الوحدات السكنية والمؤسسات، بالإضافة إلى مدارس ومستشفيات.

هذه الذكرى تكتنز في طيّاتها رحلة موت ودمار لم تكن سهلة، وغطّت التعويضات المادية التي دفعتها الدولة وشركات التأمين جزءاً من صفحاتها، لكنّها لم تكن على قدر التوقّعات. فبعضها بالكاد كان يكفي لدفع تكاليف دفن أحد الضحايا. ومع ذلك، تبقى الدولة رغم مسؤولياتها في هذا الملف، إحدى ضحايا التفجير، نظراً للأضرار الهائلة التي أصابت المرفأ بوصفه مرفقاً عاماً. ناهيك عن الأضرار المادية والخسائر الاقتصادية التي قدّرها البنك الدولي بنحو 8 مليار دولار، ويضاف إليها خسائر غير مباشرة تمثّل خسارة الفرص الاقتصادية، أي ما كان سيسجّله الاقتصاد من مكاسب في حال لم يحصل التفجير، الذي أدّى إلى تراجع نمو الناتج المحلّي بنحو 0.4 نقطة مئوية في العام 2020 ونحو 0.6 نقطة مئوية في العام 2021. علماً أنّ مرفأ بيروت قبل التفجير كان يستقطب بين 60 إلى 70 بالمئة من الواردات اللبنانية.

ما سجّله الاقتصاد من خسائر إثر التفجير، تُرجِمَ لدى أهالي الضحايا أيضاً بخسارة ثقتهم بمؤسسات الدولة. فيقول إيلي حصروتي الذي فقدَ والده جرّاء تفجير المرفأ، إنّ "قفتنا بالدولة تراجعت خصوصاً بعد تسلسل للأحداث التي مَثَّلَ بعضها إطلاق سراح الموقوفين، فضلاً عن عدم وجود قرار اتهامي في الحادثة رغم مرور 6 سنوات على وقوعها. كما أنّ ملف التحقيقات توقّف، ثم استؤنف العمل به فجأة ولم نفهم الأسباب. وهذه الأحداث غير مريحة بالنسبة لنا".

ولأنّ التفجير وما تركه في ذاكرة اللبنانيين عموماً وأهالي الضحايا خصوصاً، ليس مجرّد ذكرى يطويها الوقت، يشير الحصروتي في حديث لـ"المدن"، إلى أنّ أهالي الضحايا ينتظرون "مضمون القرار الإتهامي وما قد يغيّره على أرض الواقع، وبنتيجة التغيير قد تستعيد الأهالي ثقتهم بالدولة". ويؤكّد حصروتي أنّ استعادة الثقة تشمل جملة من المعايير، منها "أن يكون الجميع تحت سقف القانون، إلى جانب وجود إرادة تحقيق العدالة التي يعكسها انتظام العمل بكل مؤسسات العدالة". والعدالة بالنسبة إلى الحصروتي تتمثّل أيضاً بـ"عدم تكرار ما حصل".

بالتوازي، ترى لورا كفوري شقيقة كارمن كفوري التي خسرت نَظَرَها نتيجة التفجير في ذلك اليوم، أنّ العدالة تقتضي "متابعة الضحايا على المستوى الصحي، كإعطائهم بطاقات من وزارة الصحة". وتؤكّد في حديث لـ"المدن" أنّ بعض الضحايا "لا يستطيعون استكمال علاجاتهم التي أصيبوا بها في التفجير".

 

العدالة عالقة

وعلى صعيد التعويضات، تقول كفوري إنّه "لا يجوز الحديث عن أي تعويضات قبل إحقاق العدالة". أمّا الحصروتي، فيشير إلى أنّ بعض التعويضات دُفِعَت لأهالي الضحايا والجرحى. وعلى مستوى العائلة "حصلنا على 30 مليون ليرة من الهيئة العليا للإغاثة، كتعويض عن خسارة والدي، لكن المبلغ كان بلا قيمة فعلية لأنّ سعر صرف الدولار حينها كان محلّقاً، وبالكاد غطّى تكلفة الدفن. علماً أنّ الوضع الاقتصادي في لبنان كان سيئاً، وأموالنا كانت عالقة في المصارف ورواتبنا بالليرة". ولذلك، فإنّ ما دُفِع "لم يكن تعويضاً فعلياً".

علماً أنّ القانون رقم 196 الصادر في 3 كانون الأول 2020، قضى باعتبار المدنيين الضحايا في تفجير مرفأ بيروت، شهداء في الجيش اللبناني، ومنحَ عائلاتهم تعويضات ومعاشات تقاعدية، بالإضافة إلى تمكين المصابين بإعاقة من حقوق محددة.

ما دفعته الدولة رغم تراجع قيمته بسبب انهيار سعر صرف الليرة، ترافق مع سداد قيمة التعويضات المالية من قِبَل شركات التأمين، بالنسبة للأفراد والمؤسسات الذين كان لديهم عقود تأمين. وفق ما يؤكّده رئيس جمعية شركات الضمان في لبنان (التأمين) أسعد ميرزا، الذي يلفت النظر في حديث لـ"المدن" إلى أنّ "التعويضات المتعلّقة بالأفراد والمؤسسات، تم دفعها، وبقيت هناك التعويضات الخاصة بالدولة، أي المرتبطة بتغطية الأضرار في المرفأ، ويمكن دفعها عند صدور التقرير الفنّي من قِبَل القضاء اللبناني". فاستناداً إلى التقرير يمكن تحديد أسباب التفجير، ما إذا كان ناتجاً عن عمل حربي أو إهمال أو غير ذلك، وبموجبه "يمكن لمعيدي التأمين الاطّلاع على أسباب التفجير، وتتخذ شركات التأمين قرارها بما يتعلّق بالمبالغ المفترض دفعها للدولة كقيمة للأضرار التي حصلت في المرفأ".

تعويضات الدولة عالقة ولا يفرج عنها سوى التقرير القضائي. لكن يبقى السؤال العالق أيضاً، حول النسبة المئوية التي ستدفعها شركات التأمين حينها، إذ تختلف نسبة التغطية مع اختلاف أسباب التفجير، وقد لا تغطّي الأموال أكثر من 20 بالمئة من قيمة الأضرار، أو قد تؤدّي الأسباب التي سيذكرها التقرير، إلى رفع قيمة التعويضات إلى 60 بالمئة أو أكثر.

 

لا تقرير نهائياً حتى اللحظة من قِبَل القضاء اللبناني. إلاّ أنّ مكتب التحقيقات الفيدرالي FBI، كان قد رجّح في وقت سابق أنّ التفجير عبارة عن "حادث وقع بسبب سوء التخزين طويل الأمد وظروف حفظ غير آمنة لمواد نترات الأمونيوم". أمّا التحقيقات الفرنسية، بيّنت أنّ بين الـ700 والـ1000 طنًا من نيترات الأمونيوم، انفجرت في العنبر رقم 12، بعد اندلاع حريق. ونفى التقرير وجود "تدخل خارجي لحصول الانفجار. فلو كان هناك تدخل خارجي لانفجرت المواد فوراً من دون أن يسبق ذلك حريق".

ما تنتظره شركات التأمين لتغطية تعويضات المرفأ أو عدم تغطيتها، ينتظره أهالي الضحايا، وهو القرار القضائي الذي يحدّد الأسباب ويبني عليها خواتيم إحدى أبرز الجرائم التي هزّت لبنان. فالعدالة التي يُبنى عليها التعويض المادي، يجب أن تضمن التعويض المعنوي لكل اللبنانيين عموماً وللضحايا خصوصاً. ولذلك، لا تعويضات بلا عدالة.