المصدر: النهار
الكاتب: غسان حجار
الجمعة 18 أيلول 2026 07:41:13
لعلّ النائب السابق فارس سعيد ذهب إلى تقديم أفضل وصف لجلسة مناقشة الحكومة التي دارت على مدى يومين في القاعة العامة لمجلس النواب اللبناني. فقد كتب تعليقاً جاء فيه: "جلسة 15-16 أيلول تدرّس في الجامعة". وسجّل ملاحظات أو خلاصات عدة تحت عناوين يمكن تفصيلها.
توقف عند أن "حزب الله لا يصوّت، وأمل تصوّت للحكومة"، إذ بدا لافتاً خروج نواب "حزب الله" من القاعة قبل التصويت، وتجنّب هؤلاء تظهير الانقسام الشيعي حول الموضوع، كما الذهاب إلى مواجهة خاسرة، إذ ليس في وسعهم إسقاط الحكومة ودفع البلد إلى المجهول الذي، وإن كان ربما لا يضرّهم كثيراً، إلا أنه بالتأكيد لن يفيدهم إطلاقاً. فكل فراغ سينعكس سلباً على مجمل الأوضاع، ولن يكون في وسع أيّ فريق أن يشكّل حكومة بديلة، لأن تعريض حكومة الرئيس نواف سلام للسقوط يعني الدخول في مواجهة سياسية مباشرة مع الأميركيين والسعوديين وكل الداعمين لها، ويعني حكماً مزيدا من التضييق والعقوبات، وحجب أيّ مساعدة عن لبنان كله. وهنا يرى سعيد أن "هيبة حزب الله انهارت"، وهو أمر بدا جلياً في النقاشات التي حصلت داخل القاعة، وتجرؤ نواب كثر على التصدي لنواب في الحزب استعادوا خطاب التخوين والتهم بالعمالة، وهو خطاب يذكّر بزمن احتلال نظام بشار الأسد للبنان، واعتماد استخباراته التهمة بالعمالة لكل معارض ومعترض. وهذه اللغة المستعارة، والمستعادة من ذلك الزمان، باتت أشبه بالعيش في الماضي الذي لن يعود.
إن انسحاب نواب الحزب من الجلسة، يعني إدراكهم تماماً عدم فاعلية أصواتهم في تغيير مسار التصويت، كما عدم رغبتهم في إظهار انحيازهم إلى رئيس "التيار الوطني الحر" جبران باسيل الذي قدم نفسه "رئيس المعارضة"، محاولاً جرّ آخرين إلى "فخ" هذه المعارضة. وقد بدا التيار في عزلة عن الآخرين، وعن الواقع، محاولاً التمسك بما سماه "مبادىء". وعمل جيشه الإلكتروني ليلاً على إطلاق حملة تهويل على كل الذين صوتوا لمصلحة الحكومة، مذكراً بوعودها التي لم تنفّذ. والطريف في الأمر حملته في ملف الكهرباء، متناسياً الأعوام الطويلة التي تسلم خلالها القطاع ولم يفلح في توفير حلول دائمة له، علماً أن لا تبرير لهذا الانقطاع المستمر حالياً للتيار الكهربائي، ولتراجع الخدمة عما كانت عليه.
نجاح الحكومة في استعادة الثقة، بغطاء ضمني من "حزب الله"، أعطاها دفعاً كبيراً للمضي في سياساتها وخططها ومشاريعها، خصوصاً أن الحملات عليها تتناول التفاوض مع إسرائيل، و"الرضوخ" للمطالب الأميركية، وضعف الخدمات، وعدم التزام التعهدات، وإهمال مطالب الناس الحياتية. وهذه التهم، إن صحت، تستوجب محاسبة جدية، وسحب الثقة. أما تجديد الثقة، فيستدعي من الأحزاب السياسية الممثلة في الحكومة، التزام بعض الصمت واعتماد التهدئة، إذ إن عكس ذلك يفضح تخاذلها، وتواطؤها، وتناقض مواقفها، وكذبها على الناس. فالمعارضة المرتفعة الصوت، لا يمكن أن تترافق مع إعطاء الثقة، إلا إذا كانت مجرد مزايدات إعلامية وتسابقاً على إرضاء ناخبين لا يطمحون حتماً إلى خربطة الأوضاع الداخلية.
وأخيراً، عودة إلى سعيد. نعم، هي "جلسة تدرّس في الجامعة"، لأن مسارها ونتائجها تفترض إدخال نظريات جديدة في العلوم السياسية لا يمكن فهمها وتفسيرها بسهولة، وهي بالتأكيد، ابتكار لبناني.