المصدر: eremnews
الكاتب: محمد حامد
السبت 31 كانون الثاني 2026 17:29:43
لا تعتمد ملامح "الوجه الخفي" للجهاز المالي لحزب الله، في ظل العقوبات الصادرة نحوه من وزارة الخزانة الاميركية، على تغيير أسماء الجمعيات والمؤسسات التي يدور من خلالها حركة أمواله المشبوه، ولكن هناك مسارات أخرى يتحرك فيها التنظيم.
ويعتبر العنصر الأهم في عملية إعادة تدوير المنظومة المالية والاقتصادية "للميليش" اللبنانية وعلى رأسها جمعية القرض الحسن، توزيع المهام في قالب مؤسسات أو شركات أخرى، ليست تابعة للتنظيم، بحسب خبراء سياسيين ومصرفيين، وذلك في محاولة لإعادة تشغيل نفسه.
جمعيات تتجاوز إمكانيات البنوك
ويراهن حزب الله في رسم "الوجه الخفي" لجهازه المالي في مواجهة العقوبات الأمريكية، على التلاعب بالقوانين ولوائح العمل، لاسيما الخاصة بمصرف لبنان، والتحايل عليها، بل وتجاوزها علناً في ظل حضور قوة السلاح.
ولا يعد تجاوز الهيكل المالي لحزب الله المتمثل في "القرض الحسن" بالأمر الجديد، حيث تعامل في هذا الصدد قبل ذلك، بالمضي في تقديم بطاقات ائتمان وفيزا كارد وماكينات صرف آلي، في وقت لا يملك الوعاء القانوني لكل هذه التعاملات المالية.
"جود" أساس خطة التحايل
وبدأ حزب الله مؤخراً، إجراءات في التهرب من ملاحقة ذراعه المالي في الداخل والخارج، وذلك من خلال تحول اسم "القرض الحسن" تدريجياً إلى "جود"، في محاولة للالتفاف على ضغوط من واشنطن وتحرك مصرف لبنان نحو مصادر تمويله.
وعرفت القرض الحسن، في السنوات الماضية، كمؤسسة تمنح القروض المالية من دون فوائد، بضمانة الذهب أو كفالات مالية من قبل مودعين آخرين، وتخطى عدد زبائنها 300 ألف شخص، في 2024، استفادوا من قروضها الميسرة، كما قدمت قروضاً زراعية وصناعية وتجارية لمؤسسات صغيرة، وانتشرت بأكثر من 34 فرعاً داخل لبنان.
تغير النمط للهروب من العقوبات
ويؤكد الباحث في الشأن اللبناني، ربيع ياسين، أنه في ظل العقوبات المفروضة على حزب الله، وتحديداً شبكاته المالية والاجتماعية، يحاول التنظيم الوصول إلى حلول، ليست فقط بتغيير الأسماء ولكن أيضاً تغيير النمط القديم السائد لاسيما في مؤسساته المالية.
وفسّر ياسين ذلك بالقول لـ"إرم نيوز"، أن التنظيم يحاول قدر المستطاع الخضوع للقوانين، لاسيما ما يتعلق بمؤسسة القرض الحسن، حيث يعمل على تسوية أوضاعه، لأن الأخير على سبيل المثال وليس الحصر، تحول من جهة تقدم القروض وتساعد الناس إلى شبه مصرف.
وعلى حد قول ياسين، فإن القرض الحسن يضع نفسه في قالب المؤسسات المالية، حيث يعمل بطريقة المصارف أي يقدم بطاقات ائتمان فيزا كارد أو ما شبيه بذلك ولديه ماكينات صرف آلي في وقت لا يملك الوعاء القانوني لكل هذه التعاملات المالية.
توزيع المهام الخفية على مؤسسات أخرى
وأضاف ياسين أن حزب الله يحاول تسوية بعض الأمور التي كان يقوم لها من خلال مؤسساته المالية، ويخالف بها القوانين ليذهب، حالياً، نحو الالتفاف على التشريعات حتى يحاول إعادة إنتاج نفسه اقتصادياً انطلاقاً من "القرض الحسن".
وذكر أن القرض الحسن يوزع المهام في قالب مؤسسات أو جمعيات أو شركات أخرى يظهر بشكل كبير أنها ليست تابعة له، في محاولة لإعادة تشغيل نفسه وتكوين أغراضه المالية التي تخدم التنظيم، وذلك قبل كشف إعادة إنتاج قالبه الاقتصادي.
واعتبر أن التشريعات القديمة كانت تجعل مثل هذه المؤسسات غير خاضعة لرقابة مصرف لبنان، ويحاول التنظيم تسوية هذه الأمور ولكن الأساس تنويع وترتيب الترتيبات المتبعة بما يتماشى مع القوانين مع تغيير الأسماء، لإعادة تدوير تلك المؤسسات.
ووفق ياسين، فإن تغيير الأسماء والسلوكيات والترتيبات لنهج عمل المؤسسات المالية لحزب الله، بما يعد التفافاً على القوانين لا يغير النموذج والنمط الذي يعمل به التنظيم من حيث تكوين أيضاً مؤسسات اجتماعية وتعليمية وصحية خاصة، بجانب الأساس الذراع العسكرية.
دويلة داخل الدولة
وتابع بالقول إنه في حال تصنيف شكل وعمل هذه المؤسسات، نجد أن حزب الله بذلك حزب دويلة داخل الدولة، في وقت أصبحت الإمبراطورية المعقدة والمتشابكة له التي بناها منذ 1982 داخل لبنان محاصرة وأنها لا يمكن استمرارها كذلك.
وأوضح ياسين أن حزب الله قادر على تغيير أسماء الجمعيات والقوانين أو التحايل عليها، ولكنه لن يستطيع إعادة تدوير منظوماته المالية في ثوب اجتماعي مرة أخرى، في وقت رفعت الدولة سقف فرض الرقابة بشكل عام على المصارف والموانئ والمرافق.
وبين أن هذه الرقابة تعرقل دخول السلاح والمال غير الشرعي بعد أن ظل لبنان لعقود مستباح دون حسيب أو رقيب، وهذا المشهد يتغير في ظل استعادة الدولة حضورها مقابل محاولات يعمل عليها التنظيم لشراء الوقت، ومحكوم عليها بالفشل، لأن قطار الدولة انطلق.
نقل الأنشطة لمؤسسات بديلة
ويقول الخبير المتخصص في المخاطر المصرفية محمد فحيلي، إن ضمان حزب الله استمراريته، متعلق بحضور مستدام للتمويل القوي في وقت يحاول فيه التحايل والالتفاف على العقوبات الأمريكية تجاهه، لافتاً إلى أن الأزمة تتعلق بمدى سماح الأجواء الرقابية الداخلية له بذلك.
ووفقاً للخبير اللبناني في تصريحات لـ"إرم نيوز"، وقت أن حاولت جمعية "القرض الحسن" التابعة للتنظيم، نقل بعض أنشطتها الاقتصادية والتجارية لمؤسسة تحمل سجلاً تجارياً، أعلنت بـ"وقاحة" على حد وصفه ذلك، في وقت يفرض عقوبات عليها من وزارة الخزانة الأمريكية.
تنظيف الملفات
وتابع فحيلي بالقول إن ذلك تزامن مع حاجة الدولة لتنظيف ملفاتها في ظل وضعها على لائحة البلدان عالية المخاطر بالاتحاد الأوروبي في ظل أن معظم المصارف المراسلة التي تتعامل معها المصارف في لبنان لبنان هي أوروبية.
واستطرد فحيلي أن لبنان أيضاً تحت الرقابة المتشددة لمجموعة العمل المالي "اللائحة الرمادية" وهي للدول التي تمتثل ليس بصورة كاملة ومتكاملة لإجراءات مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب.
سجل تجاري جديد
ولم يستغرب فحيلي، من مسار حزب الله في هذا الصدد، ولكنه أبدى تعجبه من سماح الدولة تخطي العقوبات وأن يخرج حزب لبناني عن حدوده، ولا يمتثل للقوانين الصادرة عن مكونات الدولة الممثلة في وزارات المالية والداخلية أو مصرف لبنان.
ولفت فحيلي إلى أن جمعية القرض الحسن التي هي جزء أساس من آلية تمويل حزب الله، أنشأت سجلاً تجارياً لمؤسسة جديدة كاملة المواصفات، لنقل نشاطاتها الجديدة لها مع الإبقاء على عملها الاجتماعي ضمن حدود ترخيصها من وزارة الداخلية.
يعرقل الاستثمارات الأجنبية
واستكمل أن السماح بهذه الممارسات لا يخدم لبنان للخروج عن اللائحة الرمادية أو لائحة الدول عالية المخاطر بالاتحاد الأوروبي والإبقاء على ذلك الوضع يشكل تحدياً كبيراً للذهاب لقدوم رجال أعمال من الخارج للاستثمار أو المساعدة في إعادة بناء الدولة اقتصادياً.
وتحدث فحيلي أنه في الآونة الأخيرة هناك وعود عدة بالمساعدة، ولكنها بقيت وعوداً، وذلك لعدم نظافة القنوات المالية اللبنانية التي تعاني سواء من تصنيف ائتماني متعثر وآخر لجهة مكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب، مما يجعل الوضع صعباً للغاية.
عقوبات على حزب الله من 19 سنة
وشدد فحيلي على الحاجة لتحرك حاسم للخروج عن هذا النهج حتى يكون هناك فرص كبيرة لدعم لبنان استثمارياً، مع ضرورة توفر رغبة الدولة في عودة الانتظام للقطاع المالي من خلال تنظيف القنوات التي يمر من خلالها المساعدات والتحويلات المالية.
وأردف أن العقوبات المالية على حزب الله ليست وليدة العام 2024 بل بدأت منذ 2007 تجاه "القرض الحسن" بعد الموافقة على القرار الأممي 1701 ومنذ هذا الوقت حتى اليوم، هناك عقوبات سنوية على أشخاص وكيانات تابعة للتنظيم بالداخل أو الخارج.
وبحسب فحيلي، أصدر، في 2025، حاكم مصرف لبنان تعميماً برقم 170 يحذّر ويمنع كل مؤسسة خاصة لرقابته، بالتعامل مع القرض الحسن، معتبراً أن هذا القرار جاء متأخراً حوالي الـ 20 سنة، حيث كان موعده الضروري في 2007، وأن ينفذ وقتئذ بقوة.
وعبر عن أسفه من أن عدم اكتراث لبنان طوال سنوات، وصل بالدولة إلى ما هي عليه اليوم ليكون حظوظ الخروج من اللائحة الرمادية لمجموعة العمل المالي او لائحة الدول عالية المخاطر بالاتحاد الأوروبي "ضعيفة".