جميع اللبنانيين في السجن الكبير

يختلف اللبنانيون حيال عدد كبير من مواطنيهم وأجانب يقبعون في عدد من سجون لبنان، وأكبرها سجن روميه (المتن الشمالي) الذي يعدّ السجن المركزي في لبنان، نظراً إلى مساحته وقدرته الاستيعابية (1500 إلى 2000 نزيل) في حين أنه يؤوي حالياً نحو 4500.

الخلاف حول إبقائهم في السجن أو إطلاقهم وفق قانون عفو عام مقترح، أو عفو جزئي لعدد منهم، خصوصاً أن عددا لا بأس به يعاني ظلما كبيرا نتيجة التأخر في محاكمته، وإبقائه طويلاً على ذمة التحقيق. بعض مَن في الداخل يتمتع بحرية أكبر ممن هم في الخارج، إذ يملك سلطة بقوة المال والسياسة، ويدير أعماله ويحرك أزلامه من السجن. وبعض مَن الخارج يخافون مَن في الداخل. هنا يتبدل مفهوم الحرية. 

وإذا كان موضوع السجون مستحق البحث العميق، وتوفير الحلول الناجعة له لأسباب قانونية وإنسانية على السواء، فإن السؤال، أو الأسئلة المطروحة باتت تتجاوز جدران روميه وسجون المناطق، إلى السجن الأكبر الذي تضيق حدوده جغرافياً بفعل احتلال إسرائيل أجزاء منه، وتبدّل أوضاع المناطق والمدن والقرى بسبب ميليشيات بالكاد يمكن ضبطها، وتضيق حدوده الاجتماعية بحيث بات شبابه يرغبون في الهجرة بحثاً عن أمكنة تشبههم أكثر، بعدما تبدلت الأوضاع الثقافية والاجتماعية والحياتية إلى حد كبير. وبات هذا اللبنان يضيق ويتقلص شيئاً فشيئاً.  

لقد تحول البلد إلى سجن كبير، الجميع فيه في التوقيف الاحتياطي، في انتظار قرار ما ينتشلهم من واقعه المرير. لا أمن، لا حقوق، ولا ضمانات، ولا استقرار. الجنوب بمعظمه تحت الاحتلال الإسرائيلي وأهله نازحون، وفي البقاع خوف مستمر من تدخل سوري عبر الحدود، وقوى محلية تعتمد الضغط والترهيب و"السحسوح"، وفي المناطق الأخرى ميليشيات تتحكم في الشارع، تمنع اللبناني من أبسط حقوقه. حتى أجهزة الدولة تعمل أحياناً بمنطق ميليشيوي، وتساندها شركات خاصة أمنية ولـ"الفاليه باركينغ" تحتل الشوارع والأرصفة. 
سجناء هم اللبنانيون. داخل السجون وخارجها. وليس من ينتشلهم أو يبدّل أحوالهم، إلا وجود دولة فاعلة ومؤسسات ناشطة، وهو أمر غير متاح حالياً على الأقل.