المصدر: النهار
الكاتب: إسكندر خشاشو
الخميس 11 حزيران 2026 07:45:39
برز في المفاوضات الجارية بين لبنان وإسرائيل برعاية أميركية بند جديد تحت عنوان "المناطق التجريبية"، كأحد المخارج المطروحة لتطبيق الترتيبات الأمنية في الجنوب وإنهاء الاحتلال الإسرائيلي للنقاط التي لا تزال القوات الإسرائيلية متمركزة فيها.
تقوم الفكرة على انسحاب إسرائيلي من منطقة محددة، يتولى بعدها الجيش اللبناني الانتشار الكامل فيها وإزالة أي نشاط مسلح خارج إطار الدولة، قبل الانتقال إلى منطقة أخرى. وبذلك يصبح تطبيق الاتفاقات قائماً على مراحل متتالية تسمح بالتحقق من نجاح كل خطوة قبل الانتقال إلى المرحلة التالية.
إلا أن "الثنائي الشيعي" يطرح مقاربة مختلفة تقوم على اعتبار كل المنطقة الواقعة جنوب الليطاني منطقة تجريبية واحدة، بحيث ينسحب الإسرائيلي منها وينتشر الجيش اللبناني فيها دفعة واحدة، باعتبار أن "حزب الله" سبق أن وافق في تفاهمات 27 تشرين الثاني 2024 على جعلها خالية من أي وجود عسكري للحزب.
لكن المشكلة لا تكمن في الطرح نفسه بقدر ما تكمن في التجربة التي سبقته.
تجربة لم تقنع إسرائيل
من الناحية النظرية، يفترض أن تكون إسرائيل أول المرحبين بأي صيغة تجعل الجيش اللبناني القوة الوحيدة المنتشرة جنوب الليطاني. لكن المؤسسة الأمنية الإسرائيلية تنظر إلى الأمر من زاوية مختلفة.
ففي رأيها أن ما يُطرح اليوم يشبه إلى حد بعيد ما كان يفترض أن ينتج من تفاهمات تشرين الثاني 2024، التي نصت عملياً على إبعاد أي وجود عسكري لـ"حزب الله" عن المنطقة الحدودية مقابل وقف العمليات العسكرية.
إلا أن الإسرائيليين يعتبرون أن التطبيق لم يحقق النتائج المطلوبة. فهم يتحدثون عن استمرار وجود بنى تحتية عسكرية لم تُكشف بالكامل، وعن عودة نشاط لعناصر الحزب في هذه المناطق بعد تجدد التوترات، إضافة إلى عدم حصول الجيش اللبناني، بحسب ما أعلن الجيش، على التعاون الكامل الذي يسمح بالكشف عن كل المنشآت والمواقع المرتبطة بالحزب.
وبغض النظر عن دقة هذه الرواية أو حجمها الفعلي، فإنها أصبحت جزءاً من الاقتناع السائد داخل المؤسسة الأمنية الإسرائيلية، وهو ما ينعكس مباشرة على المفاوضات الحالية.
التحقق أولاً ثم الانسحاب
العقدة الأساسية تكمن في أن إسرائيل لا تبدو مستعدة لتكرار ما تعدّه أخطاء عامي 2006 و2024.فبعد حرب تموز 2006، راهنت تل أبيب على القرار 1701 وانتشار الجيش اللبناني والقوة الدولية، لكنها عادت لاحقاً لتقول إن "حزب الله" تمكن من إعادة بناء جزء كبير من قدراته العسكرية. واليوم ترى أن تجربة 2024 عززت هذا الاقتناع بدلاً من أن تنفيه.
لذلك، يبدو أن المقاربة الإسرائيلية الحالية تقوم على مبدأ مختلف: لا انسحاب كاملاً قبل التأكد من خلو المنطقة من أي بنية عسكرية أو أنفاق أو مخازن أو أسلحة مرتبطة بـ"حزب الله".
بعبارة أخرى، تريد إسرائيل هذه المرة التحقق أولاً ثم الانسحاب، فيما يطالب لبنان و"الثنائي الشيعي" بالانسحاب أولاً ثم استكمال تطبيق الترتيبات الأمنية.
أزمة ثقة لا أكثر
من هنا، لا يبدو الخلاف تقنياً حول حدود منطقة أو آلية انتشار، بل يتعلق بأزمة ثقة عميقة بين الطرفين.
فـ"الثنائي" يرى أن تنفيذ الاتفاق يجب أن يبدأ بانسحاب إسرائيل من جنوب الليطاني كله وانتشار الجيش اللبناني، فيما ترى إسرائيل أن تجربة السنوات الماضية تجعلها غير مستعدة للتخلي عن ورقة الضغط التي تملكها حالياً من دون ضمانات ميدانية مسبقة.
لذلك، فإن مطلب اعتبار جنوب الليطاني بأكمله منطقة تجريبية واحدة قد يبدو منطقياً من وجهة النظر اللبنانية، لكنه يصطدم بحسابات إسرائيلية تعتبر أن تجربة مماثلة جرى اختبارها سابقاً ولم تحقق النتائج التي كانت تنتظرها.
في المحصلة، لا تبدو المشكلة في إقناع الدولة اللبنانية بقدرتها على بسط سلطتها جنوب الليطاني، بل في إقناع إسرائيل بالتخلي عن مواقع تسيطر عليها اليوم مقابل العودة إلى آلية تعتقد أنها جُرّبت بعد 2006 ثم بعد تفاهمات 2024، من دون أن تؤدي إلى النتيجة الأمنية التي كانت تطمح إليها.