جنوب لبنان.. "المقابر الموقتة" محطات انتظار للموتى وسط الحرب

فوق تلة مطلّة على قرى الجنوب اللبناني، تحوّل موقع ترابي شبه مُجهّز إلى مقبرة طارئة تستقبل جثامين ضحايا الحرب، في مشهد يعكس عمق الانهيار الإنساني الذي خلَّفه التصعيد العسكري المستمر بين إسرائيل وميليشيا حزب الله. وهو تصعيد يدفع أهالي الجنوب ثمنه غالياً.

ونقلت صحيفة "لو فيغارو" الفرنسية في تقرير ميداني من منطقة على أطراف مدينة صيدا في جنوب لبنان، أن هذه المقبرة المؤقتة باتت تؤدي وظيفة "محطة عبور للموتى" ، حيث تُدفن الجثامين بشكل مؤقت في انتظار إمكانية نقلها إلى قراها الأصلية لاحقاً، مع تحسن الظروف الأمنية، وفتح الطرق جنوب البلاد.

مقبرة تحت ضغط الحرب والنزوح القسري
وأوضحت الصحيفة أنه منذ استئناف العمليات العسكرية في 2 مارس/آذار، شهد الموقع تدفقاً متسارعاً للجثامين القادمة من بلدات تقع ضمن ما يُعرف بـ"المناطق الحمراء"، حيث صدرت أوامر إخلاء متكررة، وتعرضت مناطق واسعة لقصف مكثف.

ووفق ما أورده التقرير، فقد دُفن نحو 86 جثماناً في هذه البقعة خلال فترة قصيرة، ما أدى إلى ضغط كبير على المساحات المتاحة، ودفع القائمين على الموقع إلى توسيع عمليات الدفن بشكل طارئ، بما في ذلك الحفر، خلال ساعات الليل، لتفادي التكدس.

ويؤكد المشرفون على الموقع أن الوضع الحالي لم يُشهد له مثيل حتى خلال جولات التصعيد السابقة، مع تزايد الحاجة إلى تنظيم عمليات دفن شبه يومية في ظل استمرار وصول الضحايا.

"الوديعة".. دفن مؤقت تفرضه ظروف الحرب
وأشار التقرير إلى أنه في ظل تعذر الوصول إلى القرى الأصلية، يلجأ السكان إلى ممارسة دينية تُعرف محلياً باسم "الوديعة"، وهي دفن مؤقت للجثمان إلى حين إمكانية نقله لاحقاً.

وتُعد هذه الممارسة استثناءً من القاعدة الشرعية التي تنص على الإسراع في دفن الميت، لكنها تصبح ضرورة في سياق الحرب.

وتُجهّز الجثامين وفق إجراءات خاصة تتيح، لاحقاً، إخراجها دون تلف، حيث تُلف بمواد عازلة، وتوضع في قبور مبنية بشكل مؤقت داخل هياكل إسمنتية بسيطة، في انتظار "عودة ممكنة" إلى القرى التي أصبحت خطوط تماسٍ أو مناطق محظورة.

حصيلة متصاعدة وضغط على البنية الجنائزية
وتشير تقديرات ميدانية إلى أن التصعيد العسكري الأخير أدى إلى مقتل نحو 2200 شخص في جنوب لبنان ومحيطه، ما تسبب في ضغط غير مسبوق على البنية التحتية الخاصة بالمقابر، والخدمات الجنائزية.

وفي هذا السياق، لم تقتصر عمليات الدفن على أفراد، بل شملت عائلات كاملة في بعض القرى، من بينهم أطفال ومسعفون قُتلوا خلال عمليات قصف استهدفت بلدات مأهولة، بحسب ما وثقه التقرير.

ومع استمرار وصول الضحايا، تمتد صفوف القبور على منحدر التلة بشكل متسارع، في مشهد يعكس حجم الاستنزاف البشري الذي خلّفته الحرب

بين الحزن الجماعي والانتظار المعلّق
داخل المقبرة، تتكرر مشاهد الوداع وسط حضور عائلات فقدت أبناءها في ظروف عنيفة ومفاجئة. 

وتصف بعض العائلات الواقع الحالي بأنه "حياة مؤجلة حتى بعد الموت" ، في إشارة إلى عدم القدرة على إتمام الدفن النهائي في القرى الأصلية.

وفي أحد المشاهد التي وثقها التقرير، تظهر عائلات وهي تقف أمام قبور حديثة، بينما يحاول الأطفال استيعاب فقدان ذويهم في بيئة يغلب عليها الصمت والصدمة، وسط تسارع في إجراءات الدفن بسبب محدودية المساحة.

وقف إطلاق النار ونافذة زمنية هشّة
مع إعلان وقف إطلاق النار في 16 أبريل، أُتيحت فرصة محدودة لإعادة فتح بعض الطرق المؤدية إلى القرى الجنوبية، ما يتيح نظرياً إمكانية نقل بعض الجثامين من المدافن المؤقتة إلى مثواها النهائي.

لكن القائمين على الموقع يؤكدون أن هذه النافذة الزمنية تبقى هشة، في ظل مخاوف من انهيار الهدنة وعودة التصعيد العسكري، ما يجعل إدارة المقبرة المؤقتة عملاً مستمراً في حالة طوارئ مفتوحة.

ويختم التقرير بالإشارة إلى أن هذه المساحة لم تعد مجرد موقع دفن، بل تحولت إلى مرآة مباشرة لحرب تُعيد تعريف العلاقة بين الأرض والموت والانتظار في جنوب لبنان.