المصدر: MTV
الكاتب: سعد شعنين
السبت 6 حزيران 2026 11:24:50
لم يكن حديث رئيس الجمهورية جوزاف عون إلى شبكة CNN مجرد مقابلة إعلامية عابرة، بل بدا أقرب إلى إعلان سياسي واضح يحدد موقع لبنان الذي تسعى الدولة إلى ترسيخه في المرحلة المقبلة. فالرسائل التي خرجت من المقابلة تجاوزت الداخل اللبناني لتصل إلى العواصم الإقليمية والدولية، مؤكدة أن لبنان لا يريد أن يكون ساحة لتصفية الحسابات ولا صندوق بريد لتبادل الرسائل بين القوى المتصارعة.
أبرز ما في المقابلة كان القول الصريح إن لبنان ليس ورقة تفاوض تستخدمها أي دولة لتحسين شروطها في ملفات أخرى. هذا الموقف ينسجم مع مفهوم السيادة الذي يقوم على أن مصالح اللبنانيين يجب أن تكون الأولوية المطلقة، وأن أي حسابات إقليمية لا يجوز أن تُفرض على الدولة أو على شعبها.
كما أن حديث الرئيس عن أن اللبنانيين تعبوا من الحروب يحمل بعداً يتجاوز الوصف السياسي إلى التعبير عن واقع عاشه اللبنانيون لعقود. فمنذ سنوات طويلة يدفع لبنان أثمان صراعات لا يملك قرارها الكامل، فيما تتكرر دورات الدمار وإعادة الإعمار من دون أن يحصل على استقرار دائم يسمح ببناء اقتصاد أو مؤسسات قوية.
وفي المقابلة أيضاً، برز تأكيد واضح على أن الحل مع إسرائيل يجب أن يكون عبر الدبلوماسية والتفاوض وليس عبر استمرار المواجهة المفتوحة. قد يختلف اللبنانيون حول تفاصيل هذا الخيار أو توقيته، لكن مجرد إعلان رئيس الجمهورية أن الدولة هي المرجعية السياسية في إدارة هذا الملف يمثل انتقالاً من منطق الساحات المفتوحة إلى منطق المؤسسات والدولة.
كذلك، فإن الرسالة التي تؤكد أن قرار الحرب والسلم يجب أن يعود إلى الدولة اللبنانية تعيد طرح السؤال الأساسي الذي رافق الحياة السياسية منذ سنوات: من يملك القرار النهائي في القضايا المصيرية؟ فإذا كانت الدولة هي المسؤولة أمام شعبها والمجتمع الدولي، فمن الطبيعي أن تكون صاحبة القرار في الأمن والسياسة الخارجية والدفاع الوطني.
ومن الناحية الدولية، يرسل هذا الخطاب إشارات إلى المجتمع الدولي بأن لبنان الرسمي يسعى إلى تثبيت صورة مختلفة عن تلك التي ارتبطت به خلال السنوات الماضية، أي صورة الدولة التي تتحدث باسم نفسها وتسعى إلى حماية مصالحها الوطنية بعيداً عن منطق المحاور.
لكن نجاح هذا التوجه لا يتحقق بالتصريحات وحدها، بل يحتاج إلى ترجمة عملية عبر تعزيز مؤسسات الدولة، ودعم الجيش، وتوحيد القرار الوطني، وإطلاق مسار سياسي يضع المصلحة اللبنانية فوق أي اعتبار آخر. فالسيادة ليست شعاراً إعلامياً، بل منظومة متكاملة من القرار والمسؤولية والقدرة على التنفيذ.
قد يكون حديث الرئيس جوزاف عون إلى CNN أحد أكثر المواقف وضوحاً منذ انتخابه رئيساً للجمهورية، لأنه أعاد التأكيد على فكرة بسيطة لكنها أساسية: لبنان ليس ملكاً لأي محور، ولا يجوز أن يبقى ساحة يدفع شعبها ثمن صراعات الآخرين. وإذا نجحت الدولة في تحويل هذا الخطاب إلى سياسة ثابتة، فقد يشكل ذلك بداية مرحلة جديدة عنوانها أن القرار اللبناني يُصنع في بيروت، لا خارجها.