المصدر: النهار
الكاتب: نبيل بو منصف
الاثنين 9 شباط 2026 07:18:31
لولا الدمار اللاحق بالمنطقة الجنوبية الحدودية التي ترزح تحت نمط العمليات الحربية المبرمجة منذ إشهار إسرائيل حربها على "حزب الله" ميدانياً عقب إشعاله حرب إسناده لحركة "حماس"، وإعادة واقع احتلالي في منطقة الحافة الأمامية الحدودية، لكانت غالبية مناطق لبنان في البقاع والشمال وجبل لبنان تفتقد افتقاداً مزمناً إلى ما يشبه جولة تاريخيّة بحق قام بها رئيس الحكومة نواف سلام لهذه المنطقة المنكوبة . لنقل ان توقيت الزيارة في الذكرى السنوية الأولى، (والتي يفترض دستورياً وواقعياً ألا تصل إلى ذكرى ثانية بفعل الانتخابات النيابية الموعودة في أيار) ، كان أكثر من قرار سياسي ذكي، بل هو قرار وجداني في مكان ما، بدليل أن أبناء الجنوب الحدودي أصلحوا ما أفسده العطار في الجولة الأولى التي قام بها سلام بعد فترة من تأليف الحكومة وأطلقت بتحريض من "حزب الله" آنذاك، شعارات وعبارات منافية لكل المنطق الوطني الذي أحاط الجولة السابقة. البارحة رأينا بأم المعاينة حقيقة معاناة الجنوبيين أمام "ممثل الدولة" حتى بحضور نواب الحزب وعيونه الأمنية والميدانية التي لا نخال تنفيذ المرحلة الأولى من حصرية السلاح في جنوب الليطاني قد أزال وجودها حتى لو اختفت ظاهرياً.
يقال بالعامية "استوت" أحوال الناس، أي أرهقتها المعاناة، وأولئك الجنوبيون أرهقتهم جولات لا تنقطع من الموت والتهجير بين السبب والمسبب، المتذرع والعدواني، المرتبط بالمشاريع الإيرانية والضحية التاريخية لجغرافيا لبنان وقدره متقدماً العرب كلهم في مواجهة إسرائيل. ولذا لا حدود للأهمية الكبيرة التي طبعت حفاوة الجنوبيين برئيس الحكومة الذي تحولت جولته إلى كتلة رمزيات سواء أرداها لها أم جاءت عفوية. بدت الجولة في خلفيتها أشبه بخطة حصرية السلاح ذاتها التي يطبقها الجيش اللبناني بتعقيدات ميدانية واستراتيجية وسياسية. بين البلدات والقرى التي شملتها الجولة الواسعة في أقضية الجنوب، ترتسم صورة حقل ألغام لا يزال يطبق على لبنان كله وليس على الجنوب وحده. ما جرى مع الجنرال رودولف هيكل في واشنطن، في لقاء الخمس دقائق مع السيناتور ليندسي غراهام، المتعمد أن يعقد لقاءه المفخخ مرتدياً لباس الرياضة، يشبه كثيراً صعوبة انتزاع الجنوب كله من براثن إسرائيل وواقع ارتهانه للسلاح المرتبط بإيران. وعودة الشرعية الى احتضان الجنوب، تفترض أيضاً شرعيةً قويةً حاسمةً في سائر انحاء الشمال، أي من أقاصي الحدود مع سوريا إلى الناقورة. ومع ذلك فإن الرمزيات لا تقل خطورة عن الوقائع، أي أن جولة الرئيس نواف سلام الجنوبية كما زيارة قائد الجيش لواشنطن، كما اللغط المتصاعد حول الموقف المتعنت العبثي لـ"حزب الله " من حصرية السلاح، كلها تعكس بلوغ مشروع استعادة الدولة لشرعيتها الأحادية المرحلة المصيرية التي لن ينقذ لبنان من شرور تفجر حرب جديدة، سوى الدفع بها إلى منتهاها لمصلحة الدولة فقط بلا شركاء بعد الآن. تسير معالم التقدم البطيء في حصرية السلاح بموازاة أخطار متصاعدة لحرب متجددة لا يمكن أسقاطها من الحسابات في أي لحظة. وحضور الدولة في الجنوب، على أهمية الجولة التي قام بها رئيس الحكومة الذي يناصبه "حزب الله" العداء العبثي، يجب أن يتجاوز التعميم المغلوط الذي رسّخه الثنائي الشيعي عبر واقع اختصاره القسري للجنوب، كما للطائفة الشيعية، إنه جنوب كل طوائف لبنان ومناطقه وجبله. لذا حان الوقت لتحريره النهائي وحصر لبنانيته الشمولية.