حرب إيران تشعل معركة الخلافة بين روبيو وفانس.. فمن يرث ترامب؟

في أروقة البيت الأبيض، بينما يتابع الجميع خرائط المعارك في الشرق الأوسط، تجري بهدوء معركة من نوع آخر.. إذ يسأل الرئيس دونالد ترامب مستشاريه في جلساته الخاصة: "جيه دي أم ماركو؟".. ليس سؤالًا عن الحرب، بل عن انتخابات العام 2028. 

فمن يرث الجمهوريين حين يغادر ترامب السلطة؟ وكيف ستحسم حرب إيران هذا السؤال؟

ويلقي تحليل نشرته مجلة "لو بوان" الفرنسية الضوء على هذا الصراع الصامت. 

ترامب يُحرّك الاثنين في الملف ذاته
لجأ ترامب إلى حيلة كلاسيكية، إذ كلّف نائبه جيه دي فانس، ووزير خارجيته ماركو روبيو معًا بملف المفاوضات مع إيران، في إطار الجهود الرامية إلى إجبار طهران على الاستسلام ونزع برنامجها النووي وفتح مضيق هرمز. 

تكليف واحد لرجلين يختلفان في كل شيء تقريبًا، مما جعل كل قرار وكل تصريح في هذه الحرب يُقرأ على نحوين: كموقف من إيران، وكرسالة انتخابية مُبكرة لقاعدة الحزب الجمهوري.

فانس.. الحذر سلاح
جيه دي فانس، البالغ 41 عامًا، جندي سابق خدم في العراق، ودوّن مواقفه المعادية للتدخل العسكري الأمريكي في الخارج بمداد لا يُمحى، فقد كتب عام 2023 في "وول ستريت جورنال" أن أفضل سياسة خارجية لترامب في ولايته الأولى كانت "عدم الانزلاق إلى حروب".

ومنذ اندلاع الحرب، تحاشى فانس الخطاب المتحمس، واكتفى في اجتماع مجلس الوزراء المُذاع تلفزيونيًّا بالتركيز على "خيارات نزع السلاح النووي الإيراني"، مُختتمًا كلمته بتمنيات عيد الفصح للمسيحيين والجنود الأمريكيين في الشرق الأوسط.

واعترف ترامب نفسه علنًا بأن بينهما "خلافات فلسفية" حول هذا الصراع.

المفارقة أن هذا الحذر قد يكون أصل قوة فانس لا ضعفه، حيث أوضح مسؤول رفيع في البيت الأبيض لـ"رويترز"، أن "آراء فانس الشكاكة ساعدت ترامب على استيعاب مزاج جزء من قاعدته الانتخابية"، وإن طالت الحرب وارتفعت فاتورة الوقود وسقط المزيد من الجنود، فإن فانس يملك غطاءً جاهزًا يقول: "لم أكن متحمسًا من البداية".

روبيو.. المُراهن على النصر
أما ماركو روبيو، البالغ 54 عامًا، اختار الطرف الآخر، فالرجل الذي هزمه ترامب في انتخابات العام 2016 بعد مواجهة مُرّة، يشغل اليوم منصبَي وزير الخارجية ومستشار الأمن القومي معًا، وهو توليف استثنائي يمنحه نفوذًا غير مسبوق في رسم السياسة الأمريكية. 

وفي اجتماع مجلس الوزراء المُذاع، كان روبيو الأكثر وضوحًا وحسمًا: "لن يترك الرئيس خطرًا كهذا قائمًا"، في دفاع صريح عن الحرب وعن منطقها.

لكن روبيو تعثر في منتصف الطريق، حين أوحت تصريحاته بأن إسرائيل "دفعت الولايات المتحدة نحو الحرب"، فاشتعل غضب المحافظين الموالين لإسرائيل.

وتراجع روبيو عن الموقف، ما دفع ترامب إلى الإشادة به لاحقًا، ما أوحى بهشاشة عابرة، لكنها تُظهر أن روبيو يسير على حبل مشدود.

الأرقام تقول الكثير
ورسم استطلاع أجرته رويترز/إبسوس في مارس/آذار مشهدًا دقيقًا: 79% من الجمهوريين ينظرون لفانس بإيجابية، مقابل 71% لروبيو.

لكن الأرقام الأكثر دلالة جاءت من مؤتمر CPAC، حيث فاز فانس بـ53% في التصويت غير الرسمي لمن يُريده الجمهوريون مرشحًا للرئاسة، بينما قفز روبيو من 3% العام الماضي إلى 35% هذا العام. 

هذه القفزة تكشف أن الحرب سرعت بروز روبيو بشكل لافت، وفي المقابل، تراجعت شعبية ترامب ذاته إلى 36% في اس
تطلاع رويترز/إبسوس، وهو أدنى مستوى له منذ عودته إلى البيت الأبيض، ما يُشير إلى أن أي وارث سيُضطر للتعامل مع إرث ملتبس. 
من يُقرر ترامب؟
ويحذر الاستراتيجي الجمهوري، رون بونغان، نائب الرئيس فانس، قائلًا: "ترامب لا ينسى. وإن بدا فانس أقل ولاءً للحرب، وبقي ترامب محبوبًا لدى قاعدة ماغا، فقد يُكلّفه ذلك دعم الرئيس".

أما المدير التنفيذي لـ CPAC، مات شلاب، فيُقدّم المعادلة بوضوح: "إن انتهت الحرب بنجاح أمريكي واضح، يُكافأ المقرّبون منها سياسيًّا. وإن تحولت إلى مستنقع، تصبح السياسة صعبة".

وكان روبيو قد قال علنًا إنه لن يترشح إن قرر فانس دخول السباق الرئاسي، وإن الأفضل له أن يكون نائبًا لفانس، لكن مصادر قريبة منه تُلمّح إلى أن أي ضعف يظهر على فانس قد يغيّر هذه الحسابات سريعًا.

ترامب بدوره لم يُزكِّ أحدًا، بل أطلق فكرة "تذكرة فانس-روبيو" وكأنه يرمي حجرًا في البحيرة ليرى أين تصل الدوائر.

الحرب في إيران ستُكتب في كتب التاريخ، لكنها ستُكتب أيضًا في حسابات البيت الأبيض لعام 2028.

والسؤال الذي يطرحه ترامب في خلواته: "جيه دي أم ماركو؟"، قد تجيب عنه ليس الدبلوماسية، بل ساعات المفاوضات، وأسعار الوقود، وخسائر الجنود.