المصدر: نداء الوطن
الكاتب: أحمد الأيوبي
الثلاثاء 21 تموز 2026 07:19:57
أدمن محور إيران حفر الأنفاق والقبور في ثنائية الإرهاب والموت التي نشرها في المنطقة، فاستثمر مليارات الدولارات في إنشاء شبكات من الأنفاق التي تشبه عقيدته الباطنية، والتي اختزنت هذا الميراث من الأحقاد المتراكمة، واحتوت غرف التخطيط لنشر القتل واستهداف كلّ مَن يختلف معه وكلّ ما يختلف عنه. وهو محور ظنّ أنّه محور الكون، وأنّه يملك سلطة إلهية تخوّله إبادة ملايين البشر من أجل عقيدة استحضار المهدي الغائب في السرداب منذ أكثر من ألف عام، بينما تعاني الشعوب كلّ أشكال الاضطهاد والعنف والإفقار.
يكشف تقرير لبناني أن "حزب الله" استثمر خلال العقدين الماضيين ما بين مليار وثلاثة مليارات دولار في شبكته تحت الأرض، وقد تصل تكلفة النفق الواحد، الذي يبلغ طوله كيلومترًا واحدًا، إلى خمسة ملايين دولار (جرى حفر نفقين أو ثلاثة لكل قرية، موزعة على ستين قرية).
تحوي أنفاق حزب إيران في الجنوب وبعض مناطق البقاع، أنظمة واسعة النطاق ومحصنة جيدًا، تشمل آبارًا ومستودعات وبنية تحتية قتالية وشبكات كهرباء، وتهوية، وصرف صحي، ومياه، وغيرها، موجودة تحت كل قرية شيعية في لبنان.
لا يسع المرء إلا أن يتخيّل ما كان يمكن لهذا المبلغ الضخم أن يفعله للشيعة في جنوب لبنان، فبهذا المبلغ يمكن إعادة تأهيل جميع الوحدات السكنية المتضررة تأهيلا كاملا، وبناء مصانع وشركات توظّف عشرات الآلاف، وإصلاح البنية التحتية وتفعيلها، وتنفيذ مشاريع للطاقة الشمسية لمعالجة نقص إمدادات الكهرباء، وإنشاء شبكات للمياه، وغيرها.
بالإضافة إلى الأموال التي كان من الممكن أن تلبّي احتياجات المجتمع، هناك جانب آخر لهذه القضية. فبينما يلجأ مقاتلو "حزب الله" إلى الأنفاق المحمية، يتعرّض سكان الجنوب لهجمات إسرائيلية، ما أدّى إلى مصرع وإصابة الآلاف من أهل الجنوب والبقاع. تركهم "الحزب" مكشوفين، بلا ملاجئ ولا حماية، فسقطوا من دون أن يشكّل ذلك مشكلةً لـ"الحزب" في مواصلة تنفيذ أوامر وليّه في طهران، فالبشر عنده أرقام، والمهم بقاء "الحزب" والحرس الثوري.
قام الحزب الإيراني بعسكرة المجتمع الشيعي وتحويل أنصاره إلى كتلة صمّاء لا ترى إلاّ ما يريها إيّاه "الحزب"، وجعل جذوره في الأنفاق وغرف العمليات الغارقة في السرية. وكان يعتبر أنفاقه ميزةَ تفوّقٍ في الحرب، حيث كان يختفي فيها قادته من الحرس الثوري وأتباعهم من الميليشيات في لبنان والمنطقة.
لقد زرع الحرس الثوري وحزبه الأنفاق تحت كل بيت ومنشأة في الجنوب، وهذا ما يفسّر إصرار جيش الاحتلال الإسرائيلي على تفتيش الأملاك الخاصة، بعد أن أثبتت الوقائع اختزانها للأنفاق بأحجامها المتفاوتة.
لكنّ الامتياز الذي وفّرته الأنفاق انتهى وتحوّل إلى لعنة تدفن حفّاري الأنفاق وتحاصرهم وتحوّلهم إلى رهائن، بعد أن خسروا الأرض بشرًا وجغرافيًا. وهذا ما يحصل تمامًا في الجنوب، حيث باتت أغلب الأنفاق أقفاصًا وسجونًا لمقاتلي "الحزب" ومن معهم، وهو ما يكشفه الحصار الذي يواجهه المحاصَرون من قيادات الحرس الثوري و"الحزب" في أسفل تلة علي الطاهر، التي تحوي في باطنها أهم منشأة قتالية في الجنوب، لكنّها عمليًا في حكم الساقطة عسكريًا واستراتيجيًا. وليس أمام المحاصَرين فيها إلا الاستسلام أو الموت، والمسألة مسألة وقت لا أكثر؛ فلن يسمح الاحتلال الإسرائيلي، وقد بات قوة الاحتلال المسيطرة، إلا بالتدمير الكامل لمنشأة عماد 4، كما فعل في سائر مناطق الجنوب.
انتهى زمن الأنفاق في المنطقة، وكما سقطت أنفاق تنظيم "قسد" التي كانت تضاهي أنفاق إيران تطورًا ومنعة، تسقط أنفاق محور الشر الذي بلغ به الإجرام ذروته، لدرجة أنّ الناس لم تعد تبالي بمن يقضي عليه، وفي ذلك الخدمة الكبرى لإسرائيل.