حزموا أمتعتهم وانتظروا: النازحون يتريثون في العودة إلى قراهم

يعيش النازحون حالة من الترقّب الثقيل عقب إعلان وقف إطلاق النار في إيران وعدم شموله لبنان، جراء التهديدات الإسرائيلية المتواصلة. 

الانتظار سيد الموقف

لا يزال النازحون يعيشون وسط حال من الانتظار يشبه الوقوف على حافة قرار لا يملكون اتخاذه وحدهم. قرار العودة. وبحسب ما رصدت "المدن" في غالبية المناطق يعيش النازحون حال تقرب ولا يعرفون مصيرهم، من الشمال حيث نزح القليل من سكان بيروت إليها، مروراً بالبقاع الشمالي حيث لا يزال النازحون يترقبون ساعة الصفر، ومروراً ببيروت التي تستقبل النازحين من الضاحية الجنوبية، وصولاً إلى منطقتي صيدا واقليم الخروب اللتين تستقبلان النازحين من الجنوب. 

في طرابلس وزغرتا والشمال ينتظر النازحون إعلاناً من الدولة اللبنانية، ومن رئيس مجلس النواب نبيه بري، قرار العودة لحزمة امتعتهم، كما أكد قيمون على مراكز النزوح. فقد حال التصعيد الإسرائيلي دون انطلاق مواكبهم، بعدما حزم العديد منهم امتعته إيذاناً بالعودة إلى الضاحية والجنوب. والأمر عينه تكرر في البقاع الشمالي حيث ما زال النازحون من البقاع ينتظرون في مراكز الإيواء. 

ينتظرون بيان الرئيس بري

في بيروت لا تزال الخيام مفروشة على الواجهة البحرية، وفي الطيونة، وفي مراكز الإيواء. المشهد نفسه تقريباً: بطانيات معلّقة على الحبال، أوان موضوعة قرب أبواب الغرف، وأطفال يلعبون بين الممرات الضيّقة كأنهم اعتادوا المكان إلى حدّ مخيف. الناس يمارسون حياتهم اليومية كما لو أنّ النزوح صار نمطاً ثابتاً لا مرحلة انتقالية، وكأنهم تعلّموا أن يعيشوا مؤقتاً… إلى أجل غير معلوم.

في الليل، لم ينم كثيرون. قالوا إنهم ظلوا يراقبون الأخبار، ينتظرون بياناً رسمياً واضحاً. لم يصدر شيء حاسم بعد: لا من الرئيس نبيه بري، ولا من الحزب، ولا من الحكومة. هذا الصمت السياسي يتحول، بالنسبة إليهم، إلى سبب إضافي للبقاء حيث هم.

بعضهم تحمس في الساعات الأولى. جهزوا الأغراض، لفوا البطانيات، جمعوا ما استطاعوا من حاجياتهم استعداداً للعودة جنوباً. لكن سرعان ما عادوا وتراجعوا. انتشرت تحذيرات، وتردد الناس، وعاد القلق يتقدم على الحماسة.

في الطيونة، حيث صفوف الخيام تمتد بمحاذاة الطريق، يقول بلال مرعي، الذي نصب خيمته هناك منذ أسابيع: "لا نثق بالإسرائيلي. إذا لم يصدر إعلان رسمي، لا ضمانة للناس. نحن باقون هنا بانتظار قرار رسمي من دولة الرئيس نبيه بري".

جارته في خيمة مقابلة، تجلس أم علي، النازحة من صريفا. كانت تستمع بصمت، ثم قالت بهدوء: "لن نتحرّك قبل أن يصدر القرار الرسمي". يقاطعها زوجها بسرعة، كأنه يريد أن يحسم النقاش: "عندما تنفّذ إسرائيل وقف إطلاق النار فعلياً، نعود إلى بيوتنا".

أما منتهى، في الواجهة البحرية، تروي خيبة الصباح: "ليلًا فرحنا. جهزنا حالنا من الفجر لنذهب نتفقد البيت. لكن تراجعنا. قال  الناس إن الوضع ليس جيداً بعد".

لم يصدقوا الأمر بعد 

وفي مركز بئر حسن، كانت حسنة سلمان، النازحة من البرج الشمالي، تجلي الأواني البلاستيكية قرب باب الغرفة التي تسكنها مع عائلتها. تقول لـ"المدن" "سمعنا بوقف إطلاق النار، لكن لم نصدقه. لا يمكن أن نطلع ونخاطر بنفسنا. سنبقى هنا… ليفرجها الله".

بين هذه الأصوات المتفرقة، يتكوّن مشهد واحد: الناس لا تنتظر فقط وقف إطلاق نار. تنتظر إشارة ثقة. فالعودة، بالنسبة إليهم، ليست حركة انتقال جغرافي فقط. إنها قرار يتعلق بالحياة والموت، بالبيت الذي قد يكون لا يزال قائماً أو صار ركاماً، وبالطريق التي قد تكون سالكة أو ما زالت تحت النار. لهذا، يبقى كثيرون في أماكن النزوح، يراقبون الأخبار، يتبادلون الشائعات، ويؤجلون الحسم يوماً إضافياً. كأنهم يعيشون في مساحة معلّقة بين مكانينمكان لم يعودوا فيه، ومكان لم يستطيعوا الرجوع إليه بعد.

تجهيز الأمتعة والانتظار الثقيل

غالبية الجنوبيين نزحوا إلى مناطق صيدا وإقليم الخروب. في ساعات الصباح الأولى بدأ العديد منهم بحزم أمتعتهم للعودة إلى قراهم. وبدا البعض بالتوجه جنوباً، لكن بعد التهديدات الإسرائيلية، عادوا وفضلوا انتظار المواقف الرسمية التي ستصدر عن الدولة. 

يعيش الجنوبيون في منطقة إقليم الخروب حالة من الترقب والتريث في العودة. وحالهم يعبر عنها حسين بكري، إبن بلدة صديقين، في قضاء صور، الذي حمل أمتعة النزوح الخفيفة، بعدما وضبها بعناية، بانتظار ساعة الصفر للتوجه إلى بلدته، من مركز النزوح، في بلدة برجا. في وقت حسم عماد وزوجته سناء، قرار العودة إلى صور، على الرغم من عدم وجود قرار واضح، لجهة وقف إطلاق النار، وذلك نتيجة معاناة النزوح، التي عاناها، متنقلاً من منزل إلى آخر، في مدينة صيدا.

من أصل 700 عائلة، في الجامعة الإسلامية في بلدة الوردانية، تم رصد مغادرة عائلتين فقط، بينما تنظر عائلات اخرى على أحر من الجمر.

يتريث علي ترحيني، من بلدة عبا، في قضاء النبطية، لخطوة العودة إلى بلدته، حتى تنجلي صورة الوضع الميداني. ويشاطره الأمر محمد منصور، من أنصار، الذي يقيم في بلدة الوردانية. ويقول إن الانتظار والترقب سيدا الموقف، ولن نقوم بأي خطوة تتعلق بالعودة إلى البلدة، التي تتعرض لاعتداءات إسرائيلي.

خلال جولة قصيرة على عدد من بلدات منطقة إقليم الخروب، تبين أن بعض العائلات التي غادرت صباحاً، كانت محصورة إلى حد كبير بالعائلات النازحة إلى مراكز الإيواء، فيما سجل حالات قليلة جداً للعائلات المقيمة في البيوت المستأجرة على وجه التحديد.