"حصار بطيء وعزل ناري".. كيف رسمت إسرائيل سيطرتها على تلة علي الطاهر؟

أثار إعلان رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو استكمال العملية العسكرية في مرتفعات تلة علي الطاهر الاستراتيجية جنوبي لبنان، وتحقيق ما وُصف بالسيطرة العملياتية فوق الأرض وتحتها، حزمة من التساؤلات حول طبيعة هذا التطور.

فبينما يصر الخطاب الرسمي الإسرائيلي على أن التلة لم تعد تشكل تهديداً للجليل بعد تمشيط وتفكيك مسارات تحت الأرض، فإن مصطلحات السيطرة الفضفاضة وغياب المظاهر السيادية التقليدية، كرفع الأعلام والاحتلال الكامل، يفتحان الباب أمام قراءة لأبعاد المشهد المتشابك بين حسابات الميدان والخطوط الحمراء الإقليمية.

ووفقاً لبيان الجيش الإسرائيلي، فإن قوات الفرقة 36 عملت لأسابيع على تدمير ما وصفه بالمنشأة الاستراتيجية الممتدة عبر مسارين محوريين جوفيين، تضم غرف عمليات ومستودعات أسلحة ومرافق معيشية متكاملة شُيدت على مدى عقدين بتمويل وتخطيط إيرانيين.

إلا أن اقتصار الإعلان على "السيطرة العملياتية" بدلاً من الاحتلال، يعكس مقاربة تكتيكية دقيقة تتجنب كلفة الغرق في حرب استنزاف مجهولة داخل الأنفاق.

وفي مقابل الطروحات السياسية التي تروج لفرضية أن الجيش الإسرائيلي قد يكون أحكم قبضته الميدانية بالفعل، وتجنب إعلان "الاحتلال الرسمي" تكتيكياً لتفادي إحراج الوسطاء الدوليين والحفاظ على مرونة قنوات التفاوض، تواجه هذه السردية تشكيكاً عند وضعها في ميزان المقارنة التاريخية المباشرة مع ما شهدته قلعة الشقيف الاستراتيجية في 31 أيار/مايو الماضي.

ففي تلك التجربة، لم يتردد بنيامين نتنياهو في استخدام مفردة "احتلّ" علانية، وبث صور توثيقية لجنوده وهم يرفعون الأعلام فوق الموقع، مما يكشف عن تباين ميداني وجوهري يعكس الفجوة الحالية في وضع تلة علي الطاهر العسكري.

ويقود هذا التباين في السلوك الإعلامي والعسكري إلى قراءة أكثر عمقاً يفسرها المحلل السياسي ميشيل أبو نجم بالقول إن المقارنة بين الموقعين تعكس الفارق الضخم بين "الاحتلال الفعلي للأرض" و"المحاصرة والسيطرة النارية".

تلة مليئة بالتعقيدات الجغرافية
ويوضح في تصريح لـ"إرم نيوز" أن إسرائيل تدرك الكلفة البشرية الباهظة المترتبة على أي محاولة تقدم واقتحام بري مباشر وشامل لعمق تلة علي الطاهر المليئة بالتعقيدات الجغرافية والمنشآت الجوفية، لا سيما في هذا التوقيت السياسي الحساس الذي يسبق الانتخابات الإسرائيلية.

ويضيف أن تجنب المشهدية البصرية العسكرية المتمثلة في رفع الأعلام أو التمركز الدائم فوق القمة يؤكد أن إسرائيل فضلت في هذه المرحلة فرض حالة حصار بطيء وعزل ناري للمنطقة، بدلاً من التورط في توغل بري يجرها إلى مواجهات استنزافية دامية من مسافة صفر، لا ترغب الحكومة الحالية في دفع أثمانها الشعبية أمام جمهورها.

وفي مقابل ذلك، يذهب الاتجاه التفسيري الثاني لهذا الغموض نحو القراءة العسكرية الصرفة، التي ترى أن السيطرة العملياتية تقتصر حصراً على الإمساك بالمداخل والنقاط الحاكمة وتحقيق تفوق ناري كثيف، دون التوغل الفعلي في المجمعات الجوفية والتحصينات المعقدة.

وهو ما يوضحه الخبير العسكري والاستراتيجي اللواء المتقاعد هشام أحمد، بالإشارة إلى أن الطبيعة الجغرافية لمرتفعات علي الطاهر، التي تخفي تحتها شبكة أنفاق استراتيجية معقدة للغاية، يُعتقد أنها تربط القرى المحيطة بعضها ببعض.

الاكتفاء بالسيطرة العملياتية
ويرى اللواء هشام أحمد، في تصريح لـ"إرم نيوز"، أن فرض نفوذ ناري أو حصار خارجي على المداخل لتدمير جزء من منشآت السطح لا يعني بالضرورة حسم وضع المجمعات الجوفية العصية على التطهير الكامل دون تغلغل مشاة مكلف بشرياً، وهو ما دفع تل أبيب للاكتفاء ببيان "السيطرة العملياتية".

وكان حزب الله عبّر في وقت سابق عن موقفه، حيث اعتبر في تصريحات صحفية أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يبالغ في الأهمية الاستراتيجية لمرتفعات علي الطاهر لغايات داخلية انتخابية بحتة.

كما نفى بشكل قاطع ما تروجه وسائل الإعلام العبرية حول وجود مستشارين عسكريين أو مقاتلين تابعين للحرس الثوري الإيراني داخل المنشأة الجوفية للتلة، مشدداً على أن التهويل الإسرائيلي يهدف إلى تسويق منجز وهمي.

وفي المقابل، جاء الموقف الإسرائيلي الرسمي ليعزز المقاربة السياسية المتمسكة بالبقاء الميداني تحت غطاء "حفظ الأمن"؛ إذ أكد وزير الدفاع الإسرائيلي، يسرائيل كاتس، أن السيطرة على مرتفعات علي الطاهر تمثل إتماماً لمرحلة حاسمة لضمان فرض "المنطقة الأمنية" في جنوب لبنان.

وأوضح كاتس أن قواته لن تنسحب من هذه المرتفعات، وستعزز وجودها لمنع حزب الله من إعادة تمركزه.

وعلى صعيد متصل، تؤكد مصادر غربية أن بعض المعلومات أفادت بأن أجهزة الاستخبارات الغربية رصدت مؤشرات على أن تلة علي الطاهر تقع ضمن ما يُعرف بمنطقة بدر العسكرية التابعة لحزب الله، وأنها كانت تحوي مقرات مشتركة تضم مستشارين رفيعي المستوى من الحرس الثوري الإيراني.

وتشير المصادر، في تصريح لـ"إرم نيوز"، إلى أن إسرائيل حاولت خلال العمليات تنفيذ اختراقات نوعية تهدف إلى أسر أو تصفية قيادات إيرانية كانت تتحصن في الأنفاق.

وتوضح المصادر أن تقارير استخبارية تضمنت أنباء غير مؤكدة حول احتجاز عناصر وضباط رفيعي المستوى من الحرس الثوري في الميدان، وهو ما جعل طهران تعتبر التلة خطاً أحمر لا يمكن تجاوزه، مهددة بضرب منشآت الطاقة الإسرائيلية في حال تطور الهجوم إلى اجتياح واسع.

وفي ضوء المعطيات السابقة، يتضح لمتابع المشهد اللبناني الإسرائيلي أن إعلان تل أبيب إحكام سيطرتها العملياتية على مرتفعات تلة علي الطاهر يمثل صيغة سياسية وعسكرية هجينة جرى تظهيرها بعناية فائقة، وذلك للتوفيق بين العجز الميداني عن تحقيق حسم بري كامل ومكلف في أعماق الأنفاق والمجمعات الجوفية، وبين الرضوخ الاضطراري للكوابح الدبلوماسية والتحذيرات الإقليمية الصارمة الصادرة من طهران.