حفظ الإخبار بحق السفيرة ندى معوّض... محاولة لمحاصرة التفاوض من بوابة القضاء

لم تكن الحملة على السفيرة اللبنانية لدى واشنطن ندى معوض مجرد اعتراض على اتصال منسوب إليها بالسفير الإسرائيلي يحيئيل لايتر، بل حلقة في المواجهة السياسية الدائرة حول مسار التفاوض الذي تديره الدولة اللبنانية برعاية أميركية. وقد جاء قرار مفوض الحكومة لدى المحكمة العسكرية القاضي كلود غانم بحفظ الإخبار المقدّم ضدها لعدم وجود جرم جزائي يستدعي الملاحقة، ليعيد القضية إلى سياقها السياسي، بعدما تحولت رواية إعلامية غير مثبتة إلى مادة اتهام وضغط على دبلوماسية تتولى مهمة رسمية.

تبدأ دلالات القضية من الطريقة التي انتقلت بها الرواية من التداول الإعلامي إلى القضاء. فالإخبار الذي تقدم به أحد المحامين في 29 أيلول استند إلى معلومات عن اتصال مزعوم بين معوّض ولايتر للاطمئنان على صحة نجله، استندت إلى ما نشره موقع "كان" الإسرائيلي، الذي نقل الخبر عن إحدى منصات "حزب الله" في لبنان، يديرها حسن عليّق، لا إلى وثيقة رسمية تثبت حصول الاتصال ومضمونه. ثم انتقلت الرواية إلى وسائل إعلام لبنانية، قبل أن تتحول إلى إخبار قضائي استُخدم في سجال سياسي واسع.

هذا التسلسل ليس تفصيلاً. فالمحامي مقدّم الإخبار معروف بقربه من "حزب الله"، فيما جاء الاتهام في لحظة يتقدم فيها التفاوض مع إسرائيل بوصفه أحد أكثر الملفات إثارة للانقسام الداخلي. وعندما تتحول رواية غير مثبتة إلى قضية قضائية تستهدف دبلوماسية مكلفة بمهمة تفاوضية، فإن النتيجة تتجاوز المساءلة القانونية لتطال شرعية المسار الذي تعمل في إطاره. وليس ضرورياً إثبات وجود تنسيق معلن بين كل حلقات القضية لفهم أثرها السياسي: التشكيك بالسفيرة يتحوّل حكماً إلى ضغط على المهمة التي تتولاها.

السفيرة معوّض في الواجهة والقرار في الخلفية

لا يمكن فصل موقع معوّض عن التفويض الذي تعمل بموجبه. فقد أكدت وزارة الخارجية أن مهمتها جاءت بتكليف من رئيس الجمهورية جوزف عون، بالاتفاق مع رئيس الحكومة نواف سلام، ووفق الأصول الدستورية. وبذلك، فإن استهدافها لا يقف عند حدود شخصها، بل يلامس قرار السلطة التنفيذية إدارة التفاوض من خلال قنوات دبلوماسية رسمية.

من هنا، تبدو الحملة جزءاً من محاولة فرض سقف سياسي على حركة الدولة، في وقت يرفض فيه "حزب الله" مسار التواصل المباشر مع إسرائيل، ويعارضون ما قد يترتب عليه من نتائج أمنية وسياسية. فالتفاوض لا يقتصر على صورة أو اتصال، بل يتصل بترتيبات وقف الحرب، والانسحاب الإسرائيلي، ومستقبل الوضع الأمني، وموقع الدولة في إدارة هذه الملفات. وإثارة قضية السفيرة على هذا النحو تضيف ضغطاً داخلياً على فريق التفاوض، وتضع رئيس الجمهورية أمام اختبار قدرته على حماية قراره من حملات التشكيك.

ولا يعني ذلك أن كل اعتراض على التفاوض غير مشروع، أو أن أي مهمة دبلوماسية محصّنة من المساءلة. لكن الاعتراض السياسي شيء، وتحويل رواية غير مثبتة إلى اتهام جزائي شيء آخر. وقرار الحفظ يعيد التأكيد على أن الإخبار لا يشكل إدانة، وأن الضجيج الإعلامي لا يعوّض غياب العناصر القانونية اللازمة للملاحقة.

حفظ الملف لا ينهي المواجهة

قد يكون المسار القضائي لهذا الإخبار انتهى بقرار الحفظ، إلا أن المواجهة السياسية التي كشف عنها ستستمر ما دام الخلاف قائماً على حق الدولة في التفاوض وحدود هذا الحق. فالهدف العملي للحملة، أياً تكن حسابات المشاركين فيها، كان وضع السفيرة ومهمتها في دائرة الشبهة، فيما تكمن النتيجة الأوسع في محاولة تقييد هامش الحركة المتاح للسلطة التنفيذية.

في المحصلة، لا يتعلق الاختبار بندى حمادة معوّض وحدها، بل بقدرة الدولة اللبنانية على إدارة قرارها الدبلوماسي من دون أن تتحول كل خطوة تفاوضية إلى معركة داخلية. فالتفاوض يمكن أن يُناقش ويُحاسَب سياسياً على أهدافه ونتائجه، لكنه لا يستطيع أن يؤدي وظيفته إذا أصبح المفاوض نفسه هدفاً لحملات تستند إلى روايات لم تثبت قانونياً. وبين حفظ الإخبار واستمرار الاعتراض السياسي، تبقى المسألة الأساسية هي ما إذا كان لبنان يريد أن يفاوض بقرار مؤسساته، أم أن يترك مساره التفاوضي رهينة صراع داخلي على شرعيته.