المصدر: أساس ميديا
الكاتب: ملاك عقيل
الأربعاء 11 آذار 2026 08:04:40
جرّ التمديد لمجلس النوّاب لعامين “تجديداً” لعمر الحكومة عامين أيضاً. لا حديث راهناً عن تغيير وزاريّ قد يطال بعض الأسماء، خصوصاً أنّ هناك رفضاً عامّاً لهذا التوجّه، مع حرب أو من دون حرب، لكنّ إطالة عمر الحكومة يضعها، بطاقمها الحاليّ غير المتجانس، مع العهد أيضاً، أمام استحقاقات عدّة أقلّ ما يمكن أن يقال فيها أنّها حسّاسة وخطيرة، فيما سيناريو انسحاب وزراء من الحكومة وارد بأيّ لحظة سياسيّة.
كَسَر رئيس الجمهوريّة جوزف عون المحظور بدعوته إلى “مفاوضات مباشرة مع إسرائيل برعاية دوليّة”، بالتزامن مع “إرساء هدنة ووقفٍ كامل للاعتداءات الإسرائيليّة، وسيطرة القوى المسلّحة اللبنانيّة (كما سمّاها) على مناطق التوتّر، ونزع سلاح الحزب”.
سبق رئيس الحكومة عون بإعلانه “قبول لبنان بجميع أشكال التفاوض مع إسرائيل”، من دون صدور موقف رسميّ حتّى الآن من رئيس مجلس النوّاب نبيه برّي حيال فتح الدولة اللبنانيّة ذراعيها لتفاوض مباشر مع إسرائيل. وقبلهما في 2 آذار، ضمن مقرّرات الحكومة التي أعلنت حظر الأنشطة العسكريّة لـ”الحزب”، تمّت الإشارة بوضوح إلى “الاستعداد الكامل لاستئناف المفاوضات بمشاركة مدنيّة ورعاية دوليّة”.
تَقَدّم الرئيس عون بهذه المبادرة في اللحظة نفسها التي أعلنت فيها الرئاسة الأولى أنّ التعاطي الرسميّ مع “الحزب”، من الآن وصاعداً، سيكون على أساس أنّه “فريق مسلّح خارج على الدولة جرّ لبنان والقوى المسلّحة إلى كمين وفخّ”. هذا ما يجعل السلطة برمّتها أمام معركتين: داخليّة بمواجهة “الحزب”، وخارجيّة ضدّ إسرائيل.
يتوقّع الكلّ في الظروف الراهنة “صفر تجاوب” أميركيّ وإسرائيليّ مع مبادرة لا تراعي أولويّات تل أبيب داخل لبنان، وخارجة بتوقيتها عن سياق الأحداث، لكنّ تداعياتها الداخليّة ستكون أكبر بكثير.
أبعد من ذلك، تؤكّد مصادر موثوقة أنّ ترتيب بنود التفاوض، كما ورد على لسان رئيس الجمهوريّة، خاضع لاحتمال المراجعة. المهمّ قبول الإسرائيليّ بالتفاوض حتّى لو تحت النار، وحتّى لو لم يحصل انسحاب من نقطة إسرائيليّة واحدة محتّلة، وبهذا المعنى تصبح طاولة التفاوض المباشر مدخلاً لحلّ هذه الإشكاليّات، بالنسبة للجانب اللبنانيّ.
لا إقالة لقائد الجيش
أتى الردّ الأوّليّ لـ”الحزب” على كلام رئيس الجمهوريّة من جانب رئيس كتلة الوفاء للمقاومة محمد رعد: “لا خيار أمامنا سوى المقاومة”، معطوفاً على “صبرنا على من يخطئ بحقّنا ممّن نعتبرهم شركاء لنا في الوطن”.
يسير مسار الأحداث برمّته عمليّاً بخطٍّ منفصل لن يلتقي على المدى القريب مع اقتراح المفاوضات، بل سيُشكّل عامل ضغط أكبر على السلطة، وعلى أكثر من جبهة:
– تجزم معطيات رسميّة أنّ الحكومة لن تكون مقرّاً لتصفية الحساب مع قائد الجيش رودولف هيكل، على الرغم من أنّ رئيسها تحديداً اختلف أكثر من مرّة مع العماد هيكل إلى درجة “التأنيب” بعد واقعة صخرة الروشة.
استدعى سلام قائد الجيش إلى السراي، بعد البيان الأخير للقيادة، فحطّ الرئيس عون في اليوم التالي في وزارة الدفاع، وأطلق مواقف داعمة لهيكل مؤكّداً أنّ “ما تعرّض له من حملات لن يترك أيّ أثر على أدائه”، إضافة إلى تشديده على أنّ “الجيش ينفّذ قرارات مجلس الوزراء وفق الآليّات الدستوريّة، وبالإمكانات المتاحة ونرفض تحميله مسؤوليّات تتجاوز قدرته”.
تؤكّد مصادر مطّلعة أنّ “عون بادر إلى سحب لغم داخليّ كبير، مرتبط مباشرة بواقع الحرب، فوازن بين واقعين: من جهة تحديد المسافة السياسيّة التي باتت تفصله عن “الحزب”، بوصفه راهناً فريقاً مسلّحاً خارج على الدولة، ملحقاً بالكامل بحسابات النظام الإيرانيّ. ومن جهة أخرى تغطية الجيش ومسار عمله، بعد اتّهام الأخير بالتماهي مع أجندة “الحزب”، وذلك منذ أوكِل إليه تطبيق اتّفاق وقف الأعمال العدائيّة في 27 تشرين الثاني 2024، وسحب سلاح “الحزب” على مراحل، وصولاً إلى البيان الأخير الذي أصدرته قيادة الجيش عقب الاجتماع الاستثنائيّ في اليرزة، والذي أقرّ بأنّ “الحلّ ليس عسكريّاً فقط، وبوقوف الجيش على مسافة من اللبنانيين كافة، ويتعامل معهم انطلاقاً من موقعه الوطني الجامع”. كثر هنا فسّروا موقف الجيش بأنّه على مسافة واحدة من الحزب، المحظور عسكرياً، وباقي القوى السياسية.
وفق بعض التسريبات قد يُطلب من الحكومة قريباً إعلان “حلّ “الحزب”، بعدما تحوّلت قيادته السياسيّة إلى منظّرة لشرعيّة استمرار المقاومة حتّى حصول الانسحاب الإسرائيليّ”. هنا سيكون الجيش أمام امتحان أكثر خطورة، سيختبره كلّ يوم من خلال مهمّة “حظر الأنشطة العسكريّة للحزب”.
في هذا السياق، تشير مصادر حكوميّة لـ “أساس” إلى أنّ “كلّ الدعوات التي سمعناها في الساعات الماضية في شأن إقالة قائد الجيش كانت تمنّيات وحسب، ولا مجال للعلاقة بين رئيس الحكومة وقائد الجيش إلّا أن تكون إيجابيّة، والإقالة غير واردة”.
حكومة فاقدة للسّيطرة
– على مستوى الميدان تبدو الحكومة فاقدة السيطرة تماماً على ورقتين: النزوح الذي تتوسّع بقعته، ضاحية وجنوباً وبقاعاً، ليشمل المناطق المسيحيّة التي كان حُيّد بعضها في حرب الـ 66 يوماً، فيما تتخوّف مصادر سياسيّة من إخلاء جنوب الليطاني بالكامل، وعندها تصبح مراكز الجيش العسكريّة وثكناته “شاهدة” فقط على الاحتلال، إضافة إلى خطر “القنابل البشريّة” التي ستتوزّع على جزء من الجنوب وبيروت وصولاً إلى الشمال.
– بات بحكم المؤكّد أنّ الإسرائيليّ يعمل على إنشاء منطقة عازلة ثابتة أوسع بكثير من تلك التي وصل إليها في الحرب الأخيرة ثمّ تراجع ليحتفظ بالنقاط الخمس المحتلّة بعد إعلان اتّفاق 27 تشرين الثاني. هذا الشريط تخشى السلطة أن يكون منعزلاً عن التسوية الكبرى المحتملة في المنطقة وأن يتحوّل إلى أمر واقع تبقيه إسرائيل خارج أيّ طبخة تفاوض، تماماً كما سعيها إلى عدم الجلوس إلى طاولة التفاوض قبل الإجهاز عسكريّاً على “الحزب”.
– وفق معلومات موثوقة يراهن كلّ من الرئيسين عون وسلام على فكّ الرئيس برّي ارتباطه بـ”الحزب”. وهو معطى يحمي، برأيهما، ما بقي من ولاية العهد، ويُسهّل التسوية في الداخل، والتواصل مع الخارج. وعلى ما يبدو قد لا يكون برّي قادراً على أن يحتفظ بالمهمّة نفسها كناطق رسميّ وكالة عن المقاومة، كما في المفاوضات السابقة، بعدما ذهب “الحزب” إلى أبعد مدى بخوضه مجدّداً الحرب التي قد تكون بتداعياتها أخطر بكثير من التي سبقتها.
خلال استقباله أمس لرؤساء الحكومات السابقين أعلن برّي الإصرار على “الميكانيزم كآليّة وإطار لتنفيذ وقف الحرب”، وهو موقف بشقّين: رفض التفاوض المدنيّ المباشر خارج الأراضي اللبنانيّة، والتمايز في الوقت نفسه عن “الحزب” الذي تخطّى منذ 2 آذار لجنة “الميكانيزم” بوصفها أداة ترويجيّة لتكريس الاحتلال.