حلب: فشل التهدئة وقصف واشتباكات متبادلة بين "قسد" والجيش

عادت الاشتباكات والقصف المتبادل بين قوات سوريا الديمقراطية (قسد) والجيش السوري في محيط أحياء الشيخ مقصود والأشرفية بمدينة حلب، وذلك بعد توقف قصير استمر لساعات بعد التوصل إلى تهدئة مساء الثلاثاء، لكنها سرعان ما انهارت، وبدا أن الوضع الميداني بين الطرفين قابل للانفجار في أي لحظة، نظراً إلى شدة المواجهات واتساع رقعتها.

اشتباكات على عدة محاور

وشملت المواجهات بين الطرفين عدة محاور، أهمها تلك التي تشرف على الطرق الحيوية الرابطة بين الريف والضواحي والمدينة، ومن بينها محاور الشقيف وطريق الكاستيلو وبني زيد والسكن الشبابي في الجهة الشمالية الغربية من المدينة، إضافة إلى محاور أخرى داخل المدينة في محيط حيي الشيخ مقصود والأشرفية، وقد استخدم الطرفان في هذه الجولة من القتال المدفعية الثقيلة والدبابات وقذائف الهاون والطائرات بدون طيار بكثافة، وهو بخلاف الجولات السابقة من عمليات التصعيد التي شهدتها حلب في العام 2025، والتي كانت فيها النيران والخسائر أقل بكثير.

حلب لم تَنمْ

وقالت مصادر أمنية في حلب لـ"المدن" إن "قسد" بدأت تصعيدها ظهر الثلاثاء، مستهدفة عدة مواقع حيوية في محيط حي الشيخ مقصود بحلب، وتسبب قصفها المفاجئ بوقوع خسائر بشرية، وتوقف حركة السير وانقطاع الطريق الرابط بين الأحياء الشرقية وجامعة حلب في القسم الغربي من المدينة، وتغيير مسار الكثير من خطوط النقل.

وأوضحت المصادر، أن "قسد" ركزت في تصعيدها الأخير على استهداف المؤسسات الحيوية في مدينة حلب، مثل المستشفيات ومحطات الوقود والمدارس، وهذه منهجية كان يعتمدها نظام المخلوع بشار الأسد لجعل الحياة شاقة وغير مستقرة في مناطق سيطرة المعارضة سابقاً، وهذه السياسة هي التي دفعت الجيش للرد بقوة هذه المرة على مصادر النيران ومرابض المدفعية التابعة لـ"قسد" في الشيخ مقصود لإجبارها على وقف القصف الذي أوقع الكثير من الخسائر البشرية في صفوف الأهالي في الأحياء المحيطة بمنطقة الاشتباك.

وبحسب المصادر، بلغ العدد الإجمالي للمصابين جراء قصف "قسد" لأحياء مدينة حلب 31 إصابة، توزعت بين 5 أطفال و6 نساء و21 رجلاً، كما تسبب القصف، وفق المصدر نفسه، عن بمقتل 6 أشخاص، بينهم طفل وامرأتان وثلاثة رجال، وتواصلت الاشتباكات والقصف بشكل متقطع منذ منتصف الليل وحتى ساعات الصباح الأولى (اليوم الأربعاء)، وهو ما دفع المحافظة ومديرياتها الخدمية إلى حالة استنفار شاملة، حيث جرى افتتاح مراكز إيواء طارئة، ونقل قسم من النازحين إلى عدد من المساجد الواقعة في الأحياء البعيدة عن مناطق الاشتباكات والقصف، وسارعت إدارة منطقة عفرين إلى إرسال موظفيها نحو منطقة العمليات العسكرية في محيط الشيخ مقصود، بهدف نقل من يرغب من أهالي الحيين من الأكراد إلى عفرين وتأمين مساكن مؤقتة لهم.

الخسائر البشرية في الشيخ مقصود والأشرفية كانت أقل مقارنة بتلك التي شهدتها باقي أحياء حلب جراء قصف "قسد". وأكدت مصادر محلية في حي الشيخ مقصود، لـ"المدن" أن 12 على الأقل من عناصر "قسد" أصيبوا نتيجة القصف والاشتباكات، وقتل اثنان آخران، فيما سجلت عدة إصابات في صفوف المدنيين داخل الحيين بقصف للجيش السوري.

الضغط على الحكومة

ويرى مراقبون أن "قسد" باتت تستثمر أكثر بوجودها العسكري في حيي الشيخ مقصود والأشرفية بمدينة حلب كأداة ضغط ضد الحكومة السورية، بعدما لجأت إلى هذا الأسلوب للمرة الثالثة خلال شهرين بهدف إرباك الحكومة، وذلك بعد فشل جولة المفاوضات التي عقدت في دمشق أخيراً، والتي لم تسفر عن أي نتائج تتعلق بتطبيق اتفاق 10 آذار.

وقال الكاتب والمحلل السياسي عبد الرحمن الحاج لـ"المدن" إن "قسد" وصلت إلى مفترق طرق في ما يتعلق بتطبيق اتفاق 10 آذار، وهي أمام خيارين، إما المضي قدماً نحو القبول بأطروحة الحكومة السورية في الاندماج الكامل، أو تعطيل المفاوضات، وأضاف الحاج أن اجتماع وفد "قسد" في دمشق كان حاسماً، ولذلك أرسلت قيادة التنظيم سيبان حمو بهدف تخريب جلسة المفاوضات وتعطيلها، بدلاً من مناقشة الخطة التنفيذية التي اقترحتها الحكومة.

وتابع الحاج أن التصعيد العسكري في حلب يأتي في إطار محاولة جر الحكومة إلى معركة واسعة تشكل مخرجاً ل"قسد" من المأزق الذي تواجهه، وبحسب الحاج، فإن هناك رسائل سياسية أرادت "قسد" إيصالها من خلال توقيت افتعال الاشتباكات، والذي تزامن مع المفاوضات السورية الإسرائيلية في باريس، حيث تسعى "قسد" إلى القول إن هذه الحكومة غير مستقرة، وإن وجودها على الأرض لا يمكن تجاهله، في محاولة للتأثير على مسار المفاوضات عبر التذكير بأنها فاعل رئيسي.

وأضاف الحاج أن العلاقات بين "قسد" والإسرائيليين تعود إلى مراحل مبكرة، وأن "قسد" باتت اليوم عقدة اتصال وتنسيق إقليمية ودولية في ما يتعلق بالجماعات المناهضة للحكومة الانتقالية في دمشق، ويرى أن الإسرائيليين جزء من خطوط الاتصال والتنسيق داخل هذه العقدة، إذ يسعون إلى الضغط على تركيا من خلال "قسد".

رصد زيارة حمو للشيخ مقصود

وكانت "المدن" قد رصدت زيارة قائد "وحدات حماية الشعب الكردية" وعضو القيادة العامة لـ"قسد" سيبان حمو، إلى حي الشيخ مقصود بحلب أواخر شهر تشرين الثاني/نوفمبر من العام 2025، التقى حينها بقيادة الوحدات و"قسد" في الحيين وأطلعهم على مسار المفاوضات مع الحكومة بخصوص اتفاق 10 آذار، وبقي في الحيين لعدة أيام قبل أن يعود إلى مناطق شمال شرق سوريا بتسهيل من الحكومة السورية، وينحدر حمو صاحب عدة ألقاب، بينها "سيوار عفريني" و"جودي بلبلي" من منطقة عفرين شمالي حلب، وهو الأب الروحي للوحدات في عفرين والشيخ مقصود ويحسب على تيار المتشددين الأقرب لحزب العمال الكردستاني، ويتهم بتعطيل تطبيق اتفاق 10 آذار.

وكشف التصعيد العسكري الأخير من جانب "قسد" في حلب عن هشاشة اتفاقات التهدئة التي كان يتم التوصل إليها بعد كل تصعيد مشابه، ولا يبدو أن التوصل إلى اتفاق جديد للتهدئة أمر قريب أو متماسك أكثر من الاتفاقات السابقة، وفي المقابل، يظهر الجيش السوري جديةً في الرد بقوة على "قسد"، مع الحرص في الوقت نفسه على تجنب الانزلاق إلى مواجهات مفتوحة معها، بعدما عزز خطوط الاشتباك بالمزيد من القوات والعتاد العسكري، وكذلك لا يمكن إنكار حالة الإرباك والهلع التي تسبب بها التصعيد بين سكان الأحياء القريبة من منطقة العمليات، والذي أدى إلى أكبر حركة نزوح مقارنة بالجولات السابقة من المواجهات.