المصدر: Kataeb.org
الكاتب: فرنسوا الجردي
الأحد 7 حزيران 2026 18:49:59
في ظل الظروف الاستثنائية التي يمرّ بها لبنان، وما رافقها من حرب مدمّرة وتهجير قسري ونزوح آلاف العائلات وتداعيات نفسية واجتماعية واقتصادية قاسية على الطلاب والأهالي، يبرز سؤال جوهري: هل يمكن للدولة أن تعتمد حلاً استثنائياً يراعي مبدأ العدالة ويحفظ في الوقت نفسه هيبة الشهادة الرسمية وحقوق الطلاب؟
إنّ النقاش الدائر حول الامتحانات الرسمية لا ينبغي أن ينطلق من منطق المنتصر والمهزوم، ولا من معادلة فرض خيار واحد على جميع الطلاب، بل من مبدأ أساسي كرّسته القوانين والمواثيق الدولية، وهو حق الطالب في التعليم وتكافؤ الفرص ومراعاة الظروف القاهرة والاستثنائية.
من هنا، يبدو أنّ الحل الأكثر عدالة ومنطقية وقانونية يتمثّل في منح الطلاب حق الاختيار الطوعي بين مسارين استثنائيين لهذه السنة فقط، دون أن يشكّل ذلك سابقة دائمة أو قاعدة عامة للمستقبل.
أولاً: خيار التقدّم للامتحانات الرسمية
يحق لكل طالب يشعر بأنه قادر أكاديمياً ونفسياً ولوجستياً على التقدّم للامتحانات الرسمية أن يمارس هذا الحق بصورة طبيعية، وأن يحصل عند نجاحه على الشهادة الرسمية اللبنانية التي تفتح أمامه أبواب الجامعات اللبنانية والخارجية.
فلا يمكن تجاهل وجود عدد كبير من الطلاب الذين تابعوا دراستهم بشكل طبيعي نسبياً، واستعدوا للامتحانات طوال العام الدراسي، ويطمحون إلى الحصول على شهادة رسمية كاملة تثبت كفاءتهم العلمية وتسهّل قبولهم في بعض الجامعات التي تشترط إبراز نتائج الامتحانات الرسمية أو تعتمدها ضمن ملفات الانتساب.
كما أنّ إجراء الامتحانات لمن يرغب بها يساهم في الحفاظ على استمرارية المرفق التربوي وعلى قيمة الشهادة الرسمية اللبنانية التي شكّلت لعقود طويلة إحدى ركائز النظام التعليمي الوطني.
ثانياً: خيار الإفادة المدرسية الاستثنائية
في المقابل، لا يمكن للدولة أن تتجاهل آلاف الطلاب الذين وجدوا أنفسهم ضحايا ظروف خارجة عن إرادتهم.
فالحرب لم تكن حدثاً عادياً، بل تركت آثاراً عميقة على الواقع التربوي. هناك طلاب نزحوا من منازلهم، وآخرون خسروا مدارسهم أو استقرارهم الأسري، وهناك من عاشوا أشهراً طويلة تحت وطأة الخوف والقلق والضغوط النفسية الناتجة عن التهديدات الأمنية المتواصلة.
وفي مثل هذه الحالات، يصبح من غير العادل إخضاع جميع الطلاب لمعيار واحد وكأنهم عاشوا الظروف نفسها.
لذلك، يمكن منح الطلاب الذين لا يرغبون بالتقدّم للامتحانات الرسمية إفادة مدرسية استثنائية تصدر بموجب قرار حكومي وتشريعي واضح ومحصور بالعام الدراسي الحالي، على أن تسمح لهم بالانتقال إلى المرحلة الجامعية أو التعليمية التالية وفق الآليات التي تحددها المؤسسات التعليمية المختصة.
الأساس القانوني للحل المقترح
قانونياً، تملك الدولة اللبنانية في الظروف الاستثنائية صلاحية اتخاذ تدابير استثنائية لحماية المصلحة العامة وضمان استمرارية المرافق العامة الأساسية، ومن بينها المرفق التربوي.
كما أنّ المبادئ العامة للقانون الإداري تعطي الإدارة حق اتخاذ قرارات استثنائية عندما تفرض الظروف القاهرة أو الأوضاع غير العادية حلولاً غير تقليدية تهدف إلى حماية الحقوق الأساسية للمواطنين.
ولا يوجد ما يمنع قانوناً من اعتماد آلية مزدوجة ومؤقتة لهذه السنة تحديداً، طالما أنّ القرار يصدر بصورة رسمية وواضحة ويستند إلى مبررات موضوعية مرتبطة بظروف الحرب والنزوح والتهجير.
بل إنّ مبدأ المساواة الذي يستند إليه البعض للمطالبة بإجراء الامتحانات للجميع لا يعني معاملة أوضاع مختلفة بالطريقة نفسها، بل يقتضي مراعاة الاختلافات الفعلية بين الطلاب وظروفهم.
الأساس المنطقي والتربوي
من الناحية التربوية، لا يمكن قياس مستوى تحصيل طالب نزح من منزله أو عاش تحت القصف والخوف بالمعايير نفسها التي تُطبّق في الظروف الطبيعية.
كما أنّ إرغام الطلاب الذين يعانون من آثار نفسية واجتماعية قاسية على خوض الامتحانات قد يحوّل الامتحان من أداة تقييم علمي إلى مصدر إضافي للضغط والمعاناة.
وفي المقابل، فإنّ حرمان الطلاب المستعدين من فرصة التقدّم للامتحانات الرسمية يشكّل ظلماً لهم أيضاً.
لذلك، فإنّ الحل القائم على حرية الاختيار يحقق التوازن بين حق الطالب القادر على التقدّم للامتحان وحق الطالب المتضرر في الاستفادة من تدبير استثنائي يراعي ظروفه.
قرار تاريخي مطلوب
اليوم تقف وزيرة التربية والحكومة اللبنانية أمام فرصة لاتخاذ قرار تاريخي يجمع بين الإنسانية والقانون والمنطق.
قرار لا يلغي الامتحانات الرسمية ولا يفرضها على الجميع، بل يمنح كل طالب الحق في اختيار المسار الذي يناسب ظروفه وقدراته.
فمن يريد الشهادة الرسمية يتقدّم للامتحانات ويحصل عليها، ومن تحول ظروف الحرب والتهجير والضغوط النفسية دون مشاركته يحصل على إفادة استثنائية لمرة واحدة فقط، مرتبطة حصراً بالعام الدراسي الحالي.
إنّ هذا الحل لا ينتصر لفريق على حساب آخر، بل ينتصر للطالب اللبناني أولاً وأخيراً، ويحفظ هيبة الشهادة الرسمية من جهة، ويصون حق المتضررين من الظروف الاستثنائية من جهة أخرى.
إنها تسوية وطنية عادلة، وقانونية، وإنسانية، قد تكون المخرج الأكثر حكمة في سنة ليست كسائر السنوات، وفي وطن ما زال طلابه يدفعون ثمن الأزمات التي لم يكونوا يوماً مسؤولين عنها.